نحن وفرنسا.. ماذا لو تبادلنا المواقع؟

في فرنسا بقايا عنصرية، ولكن حملة "إلا رسول الله" ليست غيرة على الإسلام. تحضر تركيا فيغيب الرسول.
السبت 2020/10/31
جريمة متشعبة

مع استقواء اليمين الديني عقب ثورة 25 يناير 2011، ظهر رجل ثقيل الظل، اسمه أحمد عبدالله، وكنيته “أبوإسلام”، قال إنه مدير شيء ما اسمه مركز التنوير الإسلامي. كانت صحته وحماسته وضلالاته تساعده على تقديم “وان مان شو”، في قناة “الأمة” الفضائية التي يملكها، ليس للدعوة إلى الفضائل الإنسانية والتعريف بسماحة الإسلام، وإنما لسباب المسيحيين والاستهزاء بعقيدتهم. فماذا لو انتفض مسيحي فرنسي في القاهرة، مدفوعا بالغيرة على نبيّه وكتابه المقدّس، وقتل المصري المسلم الذي يأكل من فوائض الإهانة الفضائية؟

لنفترض أيضا أنه بعد مرور سنوات على الذبح الأول، الافتراضي، للشيخ “المسيء” أن قام مدرس مسلم مصري بعرض تلك التصريحات المصورة “المسيئة” على طلابه، فهل يستحق الذبح؟ وبعد ذبح ناقل “الإساءة” هل نتوقع صمت العالم الإسلامي، ومصر تحديدا، على جريمة ذبح مواطن مسلم في بلده؟ وإذا أشار خطاب رسمي مصري بأصابع الاتهام إلى أفكار راديكالية مسيحية تغذي الإرهاب وتؤسس للجريمة، ولجرائم سابقة، فهل يكون في ذلك مساس بجوهر الدين المسيحي وسماحته؟ وماذا لو تجاهلت فرنسا جريمة في حق مواطن مصري، وجيّشت الحملات لمقاطعة مصر، ورفعت شعار “إلا يسوع المسيح”؟

لنُعدْ ترتيب الوقائع هناك:

في 7 يناير 2015 اقتحم إرهابيون مقر مجلة شارلي إيبدو التي نشرت رسوما كاريكاتيرية للنبي محمد، وسقط 12 قتيلا في الهجوم الذي تبناه تنظيم القاعدة. وبعد أكثر من خمس سنوات على الجريمة، عرض المدرس الفرنسي صامويل باتي على طلابه تلك الرسوم، في حصة للتربية الوطنية عن حرية التعبير، بمدرسة في باريس. وقد تحسّب لحساسية الأمر فاقترح على من ستغضبه رؤية الرسوم أن يخرج من الفصل لو أراد؛ فالدرس عن المدى الذي يمكن أن تبلغه الحرية. وفي يوم الجمعة 16 اكتوبر 2020 قام شاب شيشاني، يطلق على ماكرون “زعيم الكفار”، بذبح المدرس.

فرنسا، وأوروبا عموما، تمارسان نفاقا يستبيح سباب الله والسخرية من الرسل، ولكنها لا تتهاون مع باحث، في رسالة علمية أكاديمية لا تستهدف الجمهور العام، يورد أدلة تشكك في الهولوكوست. النفاق الفرنسي الأوروبي يقترن بإرهاب قانوني لمن يتهم بمعاداة السامية. أن تعادي الله فهذا لا يضر الله، أما أن تقترب من تخوم إسرائيل فإن ما يسمى حرية الفكر تنبت لها أنياب ومخالب تبدأ بالحصار النفسي وتنتهي بالسجن. ولم يسلم من ذلك روجيه جارودي، حين تناول الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، وشكك في أرقام يعلنها الصهاينة عن أعداد ضحايا جريمة غربية في حقهم، ونقض أسطورة الملايين الستة للهولوكوست. ولم ينس جارودي أن يذكّر بأن ضحايا هتلر لم يكونوا من اليهود وحدهم، وأن الاستعماريين الأوروبيين قتلوا نحو 180 مليونا من السكان الأصليين، في بلاد لم يكن اسمها أميركا، ومن الأفارقة في عصور اصطيادهم للعبودية في الأرض الجديدة.

وباستثناء هذا الإرهاب البحثي والفكري لا ضفاف لحرية الفكر والإبداع؛ وقد سخرت شارلي إيبدو من المسيح أيضا. وفي سيرته “رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر” يكتب عبدالوهاب المسيري عن مظاهر التحرر في الفن، مستشهدا بلوحة رسمها الفنان الأميركي آندريه سيرانو عام 1987، عنوانها “فلنتبول على المسيح (Piss Christ)"، بوضع صورة «المسيح على الصليب في البول». ولم تؤثر اللوحة في اهتزاز ثقة مسيحي بعقيدته، أو لدعوات تنطلق من الكنائس بعد صلاة الأحد لذبح الرسام. وفي القرآن الكريم آية على الإعراض عن “الذين يخوضون في آياتنا”، إعراض لا ذبح.

ولنُعدْ ترتيب الوقائع هنا:

لا تزال تصريحات “الشيخ” أبوإسلام متاحة لمن يريد الرجوع إليها، ولعل مَن احتمل السماجة يصبر على هذه الاقتباسات “أقسم بالله العلي العظيم، والله صدقوني والله لا أكذب، والله لا أكذب، والله لا أكذب، أن أصف عبادات الكنيسة أنها تعبد ذكر الرجل. أقسم بجلال الله.. شوفوا صورة يسوع تلاقوا العضو الذكري.. يعبدوه.. عقيدة مرعبة، مرعبة. من أين جاء التمثيل والزنا والدعارة؟ الحشيش؟ الرقاصين والغوازي؟ الأفيون، المسرح، السينما؟ صناعة مسيحية صهيونية”. لم يكن هذا المونولوج زلة لسان، فمع طوني خليفة أعاد “الشيخ”، في مارس 2013، التأكيد على وجود “كنائس تعبد الذكر، وتجعله.. تزرعه في الأرض وبأحجام كبيرة، وتحضنه”.

في يناير 2012 سخر من احتفال المسيحيين بعيد ميلاد المسيح الذي يسميه “الواد ربنا”. وغنّى أبوإسلام “هابي بيرث داي تو ربنا يسوع. يحتفلون بعيد ميلاد الرب يسوع يوم ما تولد من فرج أمه، وبعد ما اتولد من فرج أمه الرب يسوع أكيد قطعوا له الحبل السري، وأكيد أول ما نزل كان بيوأوأ واء واء واء. وأخذوا يغسلون القذارة اللي عليه.. كانوا يغسلون الرب يسوع… الواد ربنا مش عارف صدر أمه فين. الواد ربنا وصل لحلمة أمه وبدأ يرضع.. لغاية ما الواد شبع، الواد ربنا شبع”، ثم تغوّط، فمسحت أمه “عورة ربها من وراء… الواد ربنا” كان يحبو، “ويأكل القباقيب اللي في الأرض”، وكان “أبوه، زوج أمه نجار عمل له عربة بعجل”، ولما كبر قليلا وكان يعطش “فيقول السح الدح إمبو، إدي الواد لأبوه… فلا يصح أن يكون هذا الطفل إلها أو ابن إله”. هذا رجل يعطي نفسه حق التدخل في عقيدة غيره، وتحديد ما يصح وما لا يصح.

في سبتمبر 2012 توجه مع أنصاره إلى السفارة الأميركية، ورفع الكتاب المقدس، “الكتاب الذي يعتقد به جونز تيري الكلب ومن معه من الكلاب المسيحيين المصريين في أميركا. لا أملك اليوم إلا أن أمزقه”، ومزقه وسط تكبيرات أطلقها الفرحون بالفتح المبين، حتى لم يبق منه إلا غلافه الأسود فرماه، وهتف مهددا ومنذرا “عبدة الصليب في كل أنحاء العالم”، وأنصاره يهتفون “قادم قادم يا إسلام”، يقصدون الدين الإسلامي وليس ابنا يكنى به “أبوإسلام”.

وفي 1 أكتوبر 2012 قال أبوإسلام في حوار تلفزيوني إنه، حين أحرق الإنجيل، لم يكن في حالة ثورة أو غضب، وإنما توجه إلى السفارة وهو يعرف ماذا سيفعل “كنا مخططين ومدبرين ومهيئين ومستعدين لهذا الحدث” من أول يوم في شهر رمضان 1433 (يوليو 2012)، “وكان ينقصنا المناسبة التي تهيّئ لنا فعل ذلك. قررنا وعزمنا” أن نحرق “كتاب تيري جونز”، وهو قس أميركي قام بحرق المصحف، وبث ذلك عبر الإنترنت في أبريل 2012، احتجاجا على اعتقال القس يوسف نادر خاني في إيران.

لنُعدْ جانبا من آثار “فقه” ذبح مسلمين مسالمين، لم يشاركوا في حرب مع أيّ طرف، في أي معركة خاضتها “طائفتان من المؤمنين”. أقول “فقه” للتأكيد على بشرية الفكر المؤسس للإرهاب. وما كان بشريا فهو قابل للنقد والنقض والقتل بحثا. “فقه” الذبح أدّى، في يونيو 2013، إلى قتل أربعة من الشيعة جنوبي القاهرة وسحلهم، وسط هتاف “الله أكبر”، بعد أيام من تحريض سلفيين إرهابيين على الشيعة، في مؤتمر جماهيري على الهواء مباشرة بحضور الرئيس الإخواني محمد مرسي.

ولم يتورع دواعش ينتمون إلى “ولاية سيناء” عن الزهو بجريمة تفجير رؤوس ضحاياهم، ونشر هذا الرعب في يوتيوب. وفي عام 2016 تلا أحدهم بيان تنفيذ ما يظنه قصاصا في المتصوف السيناوي سليمان أبوحراز (98 عاما)، وبعد تكبيرات اليقين، حمد “الله الذي أرسل محمدا بالسيف رحمة للعالمين”. وصوّر تنظيم بيت المقدس في سيناء جريمة ذبح الشيخ بالسيف.

لماذا ينزعج سفيه من اعتقاد غيره ما يشاء، ولو عبد غصن شجرة أو كرسيا بلاستيكيا؟ في عام 1909 سافر مصطفى عبدالرازق، تلميذ الشيخ محمد عبده، إلى فرنسا وهو مطمئن القلب بالإيمان، فشرح الله صدره لمحبة الناس، وأولهم هندوسي قابله على السفينة، وأقر الشيخ “لا أهين البقر ولكنني لا أعبده”، إذ ساءه ما قرأ عن معارك نشبت بين المسلمين والهندوس في الهند؛ “من أجل بقرة يريد أولئك أن يمتهنوها، وهي عند هؤلاء مقدسة… فيا ليت المسلمين والهندوس لا يتناحرون من أجل حيوان معبود!”.

تُغيَّب جهود الشيخ عبدالرازق. ويتجاهل السلفيون كتابيْ الشيخ محمد الغزالي “السيرة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث” و”قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة”. ويرفضون اجتهادات الشيخ عبدالمتعال الصعيدي، ويتجاهلون كتابه “الحرية الدينية في الإسلام” المنتقد لخرافة حدّ الردة. هذا الحدّ وغيره بضاعة نجوم فضائيين منهم اليمني علي الجفري، مهتديا بالشيخ محمد الشعراوي القائل إن تارك الصلاة يُسأل “إن كنت منكرا للحكم تقتل حدّا… وإن كان كسلا يستتاب ثلاثة أيام ثم يقتل”.

في فرنسا بقايا عنصرية، ولكن حملة “إلا رسول الله” ليست غيرة على الإسلام. تحضر تركيا فيغيب الرسول.

9