نحن وفكرة الفضاء العمومي

إذا كانت نظريات الفضاء العمومي عند هابرماس هي نتاج لتطور الفكر الألماني ولتحليله للفكرة الليبرالية نظريا وممارسة وللمجال العمومي البرجوازي الأوروبي وخاصة في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا فهل ينفعنا اجترار ما ابتكره هابرماس؟
الجمعة 2018/11/16
ماذا جنينا من استيراد الأشكال الأدبية والنماذج السياسية والنظريات الفكرية لوحة: ريم يسوف

خلال أيام قليلة ستشهد جامعة تونس – المنار ندوة حول الفلسفة والفضاء العمومي، الفضاء الذي يعد من أكثر الموضوعات الحساسة والمعقدة والمتشعبة والتي لم تنل حقها من الدراسة في الفكر العربي والتجسيد الميداني الفعلي في حياتنا اليومية، وقد يعود السبب في ذلك إلى عدم وجود مثل هذا الفضاء وبالمواصفات التي عرفتها أوروبا البرجوازية وبالشكل الذي فكر المفكرون الأوروبيون / الغربيون حوله.

لا شك أن احتدام النقاش حول المشكلات الحادة والعوائق الكثيرة التي تعرقل نمو مؤسسات المجتمع المدني المستقل عن الأنظمة السياسية الحاكمة ببلداننا، وحول السبل التي يمكن أن تؤدي إلى تحويل شعار الديمقراطية البراق المرفوع منذ سنوات مغاربيا ومشرقيا إلى واقع معيش وملموس في مجتمعاتنا، هو الذي حفز على تنظيم هذه الندوة وغيرها.

 ولكن يلاحظ أن هناك دافعا معرفيا خارجيا ويتمثل في التأثير الحاسم الذي مارسه ولا يزال يمارسه الفكر الغربي وكذلك واحد من أبرز الجيل الثاني من جماعة مدرسة فرانكفورت، وهو المفكر الألماني يورغان هابرماس، على دارسي الفكر والفلسفة عندنا وبشكل خاص تأثير هذا الأخير الذي تفجره  نظريته في العقلانية التواصلية، ونقاشه الصاخب ضد عدد من فلاسفة ما بعد الحداثة الأوروبيين/ الغربيين المتطرفين الذين يروجون لإفلاس مشروع الحداثة والتنوير، وكذا كتابه الشهير الموسوم بـ”التحول البنيوي للمجال العمومي”، الذي يعتبره نقاد الفكر في الغرب أكثر كتب هابرماس إلهاما في الفكر التاريخي السوسيولوجي الملموس.

 لا شك أن المحاولات التي يبذلها أساتذة ودارسو الفلسفة والفكر ببلداننا لاستيعاب وتمثل وشرح المتن الفكري الغربي، بما في ذلك فكر هابرماس، هي توجه إيجابي وهي أيضا ثمرة من ثمرات الانتباه إلى تقدم الفكر الغربي وضرورة فهم الغرب والاستفادة من إنتاجه المعرفي، ولكن المشكلة المزمنة التي عانينا ولا نزال نعاني منها دائما تتمثل في انقضاض دارسينا وأساتذتنا على الفكر الغربي بواسطة منطق الموضة العابرة وبذهنية العالم الثالث المتخلف غير المعادلة في قوة التحليل والابتكار للنظريات وللمفاهيم واستخراجها من خصوصيات واقعنا المختلف للذهنية الغربية التي تحتل موقع الريادة في الغالب في مشهد خلق النظريات والمفاهيم الفكرية النابعة من خصوصيات وحاجات ومستوى الغرب نفسه.

إذا كانت نظريات الفضاء العمومي عند هابرماس هي نتاج لتطور الفكر الألماني ولتحليله للفكرة الليبرالية نظريا وممارسة وللمجال العمومي البرجوازي الأوروبي وخاصة في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا فهل ينفعنا اجترار ما ابتكره هابرماس؟ وماذا جنينا حتى الآن من استيراد الأشكال الأدبية والنماذج السياسية والنظريات الفكرية منها مثلا البراغماتية والوجودية والماركسية وهلم جرا؟

15