نحو إعادة التفكير في اختصاصات الهيئات الناظمة المستقلة

الاثنين 2015/02/16

شكّلت مسألة تنظيم مجال الصحافة والإعلام منذ القرن الماضي، جدلا واسع النطاق ومجالا استثنائيا بالنسبة للضوابط والقواعد التي تنظمه والجهة المشرفة على مراقبة وتنفيذ هذه الضوابط. وذلك لارتباطه العضوي بمجال دعم حرية الرأي والتعبير وحماية الديمقراطية في المجتمع.

ولا يوجد في العالم نموذج واحد يحتذى به ضمن عملية تنظيم وسائل الإعلام، بل نماذج عديدة تختلف باختلاف البلدان وثقافاتها والتقاليد التشريعية التي تميزها.

فالمعروف أن الثقافة الأنجلو سكسونية تعتمد على فلسفة “العرف”، كجزء من قواعد التشريع وتطبيق القانون، في حين تكاد تنفرد الثقافة الفرنكوفونية بآليات أكثر صرامة تعتمد على القوانين المكتوبة.

وإذا ما توقفنا عند مسألة الإطار التشريعي لتنظيم عمل المؤسسات الإعلامية، نجد أن بعض البلدان تعتمد على قوانين خاصة مثل قوانين الصحافة والطباعة والنشر، بينما تستند البلدان الأخرى إلى مبادئ تشريعية عامة مرتبطة بمبدأ الحق في حرية الرأي والتعبير.

وارتأت البلدان الغربية منذ القرن الماضي، أن تعتمد فلسفة تنظيمية مرنة تتمثل في إيلاء تنظيم قطاع الصحافة والإعلام إلى مؤسسات ناظمة مستقلة (Media Regulatory Bodies)، تلتزم بتطبيق الضوابط والقوانين وحماية واحترام رأي جميع المكونات في المجتمع.

وأبرز المؤسسات الناظمة التي وجدت في مختلف الدول الغربية هي المؤسسات التي تنظم قطاع المرئي والمسموع مثل مؤسسة الـOFCOM في بريطانيا والـCSA في فرنسا والـFCC في الولايات المتحدة الأميركية. وهي مؤسسات مستقلة عن السلطة التنفيذية، تقوم بدورها في مراقبة سوق الإعلام المرئي والمسموع وتنظيمه، ومراقبة المحتوى الإعلامي لينسجم مع روح الضوابط والقوانين ويحمي المجتمع من كل انزلاق أو خطر يؤثر على وحدة المجتمع وأمنه.

واُعتبر قطاع المرئي والمسموع مختلفا عن قطاع الصحافة المطبوعة، لأن المؤسسات الإعلامية المرئية والمسموعة تستخدم ذبذبات البث التي هي ملك للدولة، وتعتبر ثروة وطنية محدودة.

ولهذا السبب لم يتم إنشاء مؤسسات مستقلة تعنى بتنظيم عمل المؤسسات الصحفية المطبوعة، واُعتمد النموذج الذاتي للتنظيم المتمثل في مجالس الصحافة مثل مكتب الشكاوى الصحفية في بريطانيا ومجلس الصحافة في كندا. وهي عبارة عن مؤسسات محلية أو وطنية مستقلة تضم في عضويتها الصحفيين، وتقوم بتنظيم عملهم طبقا لقواعد وضوابط مهنية وأخلاقية يُتفق عليها وتُنشر ضمن ميثاق شرف صحفي أو إعلامي.

إن هذا التقسيم التقليدي لتنظيم عمل المؤسسات الإعلامية طبقا لقطاع المرئي والمسموع من جهة، والصحافة المطبوعة من جهة ثانية، أصبح محل مراجعة وجدلا جديدا في صفوف المختصين في الإعلام والاتصال.

أولا، أصبحت المؤسسات الإعلامية المرئية والمسموعة تبث حصريا أو بالتزامن أو عند الطلب عبر شبكة الإنترنت، ثانيا، أصبحت مسألة التركيز على خصوصية الصحافة المطبوعة، كجزء من تقليد قديم اقترن بحرية الرأي والتعبير، أمرا غير مقنع لأن مجال الصحافة والإعلام، مهما اختلفت أدوات النشر فيه، فهو مجال رحب لممارسة حرية الرأي والتعبير يُطبّق على جميع الوسائل والأدوات.

وأخيرا، ربما حان الوقت لتوحيد اختصاصات المؤسسات الناظمة المستقلة لتشمل جميع وسائل الإعلام تماشيا مع المستجدات التكنولوجية الجديدة، واتساقا مع مفهوم التنظيم نفسه.


أكاديمي وخبير إعلامي – مملكة البحرين

18