نحو إعادة تعريف الحدث

الخميس 2016/01/28

كأنّنا في ورطة من أمرنا؛ لكي يكون هناك حدث يستحق أن يستأثر بالاهتمام وأن تتعامل معه وسائل الإعلام كحدث هام ضمن نشرات الأخبار الرئيسية، لابد وأن يكون هناك حجم كبير من الموت والألم والبكاء، لابد من قتلى وأنقاض وأشلاء، لابد من عنف استثنائي كبير يثير أعمق المخاوف لدى الإنسان. يصدق هذا الأمر على معظم وسائل الإعلام العالمية، لكنه أكثر صدقا بالنسبة إلى الفضائيات العربية التي تغلب عليها المتاجرة بالانفعالات. أما حين يصبح الموت العنيف حدثا يوميا يبعث على الملل ويوشك أن يفقد خاصية الحدث، كما هو الحال اليوم في سوريا والعراق، فإن الجميع ينتظر لحظة ارتفاع الرقم بنحو فجائي أو فجاعي حتى يصبح الموت حدثا من جديد، طالما أن الحدث مرتبط بنوع من العنف الاستثنائي، سواء من حيث رقم الضحايا أو من حيث نوعية الجريمة. مثلا، يموت يوميا العشرات من الناس في العالم بسبب حوادث الطرقات والأمراض، لكن لا يموت الناس بسبب الصراع الديني أو السياسي أو العرقي.

وحده الموت الاستثنائي يرقى إلى مستوى الحدث كما قلنا. لكننا حين ننتبه إلى أن صناعة الحدث قد تغري الأفراد بنوع من المجد والشهرة، وهذا طبيعي، فهنا يصبح الإصرار على ربط الحدث بالموت منزلقا بالغ الخطورة. المعضلة أن الحدث كحاجة وجودية قد يستند إلى غرائز الموت بدل غرائز الحياة. وإذا كنا نعتبر بأنّ الحدث حاجة وجودية فلأنّنا ندرك بأننا لا نستطيع أن نتحمل العيش في عالم بلا أحداث. والحدث غير المتوقع هو الدليل على وجودنا في الحياة، وهو ما يمنح للحياة بهجة في آخر المطاف. لهذا السبب نسعى دائما إلى البحث عن الحدث ونتمنى دوما أن يحدث شيء ما، بل نعيش على أمل أن يحدث شيء مفصلي وغير متوقع، ونخشى دوما أن تدخل البشرية مرحلة من العدمية الرتيبة التي يموت فيها الحدث. في الواقع، يرغب كل إنسان في أن يكون جزءا من الحدث أو شاهدا عليه على الأقل، وأن يقول في الأخير: لقد كان هناك حدث، وكنتُ أنا هناك.

المفارقة هذه المرة أن الحدث الذي هو دليل الحياة أصبح بفعل الخط الإعلامي المأثمي لمعظم الفضائيات العربية لا يتجلى في الغالب سوى من خلال الموت. بحيث لا يحدث شيء كبير إلا حين يكون هناك موت كبير! فهل هناك فرصة لإخراج مفهوم الحدث من دائرة غرائز الموت إلى دائرة غرائز الحياة؟ بمعزل عن صخب الحروب الموجعة هناك ألف حدث في اليوم حول الفرح والبهجة والحياة؛ كرنفالات، اختراع جديد، صدور فيلم أو رواية، غطس من ارتفاع شاهق، زواج جماعي مختلط في مجتمع طائفي، إلخ.

أي نعم، لا يكون الحدث فقط حين يكون هناك شعب يقتل بعضه بعضا، يفجر بعضه بعضا، يُهجر بعضه بعضا، بل يكون الحدث أيضا حين يكون هناك شعب قادر على تشكيل لوحات رقص جماعي في الشارع دون تحرش، دون فتنة، دون عربدة، دون تدافع، دون احتراب.. فيا أيها الإعلاميون، بمعزل عن مفهوم الحدث الذي يرتبط بالموت، هناك أكثر من فرصة لإعادة ربط مفهوم الحدث بالحياة، عسى أن يدرك من يعنيه الأمر بأنه يستطيع أن يصنع حدثا يثير الانتباه دون أن يعتدي على الناس.

24