نحو إنسانويّة جديدة تؤمن بالذكاء والفن

الباحثة أم الزين بنشيخة المسكيني تسعى من خلال كتابها "الفن والمقدس..." إلى خلق انتماء جمالي إلى العالم بوصفه يؤرّخ لما حدث من تحوّلات فلسفيّة وتشكيلية وإبداعيّة.
الخميس 2020/07/16
الفن مجال لتقديس للحياة والإنسان

التغييرات التي شهدتها البشرية في القرن العشرين فرضت رؤى جديدة للعالم والفكر والإبداع والحياة البشرية في مختلف أبعادها. ولعل أكثر المتأثرين بالتغيرات هذه هو المقدس الذي فقد سلطته القديمة التي استمرت لقرون في التحكم بواقع البشر وأفكارهم وتفاصيل حياتهم حتى حررهم العلم. لكن العلم والواقع العلمي والتكنولوجي والسياسي الجديد يحتمان ضرورة تحوير المقدس كليا لتجنب ردات الفعل العنيفة التي قد ينتجها.

يشكل كتاب “الفن والمقدس.. نحو انتماء جمالي إلى العالم” للباحثة التونسية أم الزين بنشيخة المسكيني مساحة فلسفية لمعارك خاضها العقل البشري مع فكرة المقدّس الديني، بما هو باحة للقرابين منذ الديانات الوثنية وللذبائح مع الحروب الدينية. وهو أيضا مسارات اشتباك للغة الضاد مع أهمّ الأحداث الفكرية والجمالية، التي وقعت في مسار العقل العالمي الحديث منذ كانط إلى حدود ألان باديو.

ترى المسكيني أن هناك جوعا هائلا إلى المقدّس ينتاب الإنسانيّة الحاليّة، فيغرقها في دوّامات العنف المعمّم حينا، وفي متعة الأعراس والأعياد والطقوس والرموز التي لا يمكن لشعب أن يواصل الحياة من دونها. وتساءلت أيّ إيقاع للمقدّس في عقولنا في عالم التصحّر الروحي والعاطفي وقحط الجغرافيا؟ وهل نجيد دوما الإنصات إلى إيقاعات المقدّس من أجل تأثيث الروح في أوطاننا؟

تغير المقدسات

إذا كانت الحداثة قد عرّفت منذ ماكس فيبر بكونها “نزعا للقداسة عن العالم”، فإنّ فكرة المقدّس، على عكس ذلك، توقّع عودة مثيرة في الفكر العالمي منذ دوركايم (1912)، وكارل أوتو (1917)، وميشال ليريس (1938) ومرسيا إلياد (1957)، ورينيه جيرار (1972)، وبول ريكور (1974). وهي بذلك إنّما تشهد في الوقت نفسه على تجديدات حاسمة. وإذا كان العالم الرأسمالي المعولم يسقط منذ عقد من الزمن في ضرب من البؤس الرمزي بتحويله ميدان الحياة كلّه إلى بضاعة، فإنّ المقدّس يعود من جديد مغيّرا من عناوينه، فهو مقدّس ما بعد ديني أو علماني أو جمالي أو مقدّس الحياة اليوميّة أيضا.

تراهن المسكيني في كتابها، الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود على فكرة أساسية هي “قدرة الفنّ على اختراع ألعاب مقدّسة جديدة تجعل الحياة ممكنة، على الرغم من سياسات الإنعاش والقحط الأنطولوجي في هذه الأزمنة الرديئة. ومهمّة كهذه لا يقدر عليها غير الذين يواصلون الأغنيات على إيقاع الكارثة، وربّما لا أحد بوسعه أن يتماسك جيّدا في هذا الخراب الجميل غير الفنّانين والمبدعين، أو من في وسعهم تحرير الحياة حيثما يقع اعتقالها. غير أنّ الحياة في هذا العصر ما بعد الديني وما بعد الميتافيزيقي وما بعد الإنساني هي الموضوع الأساسي للمقدّس.

مساحة فلسفية لمعارك خاضها العقل البشري مع فكرة المقدّس الديني
مساحة فلسفية لمعارك خاضها العقل البشري مع فكرة المقدّس الديني

لقد وقّع الغرب الحديث نهاية الدين التقليدي الذي يتحكّم في المصير المدني للإنسانية، ودخل منذ قرن في أفق “المقدّس الدنيوي”. أو ما يسمّيه الفيلسوف الفرنسي رينيه جيرار “مقدّس من نمط جمالي”. إنّ ما حدث تحديدا هو رسم الخرائط وتعيين الحدود بين أن تؤمن وأن تفكّر وأن تبدع، بين ما يدخل تحت سقف العقل البشري وما يخرج عنه فيتحول إلى الخرافة والشعوذة والتعصّب بأشكاله.

وتقول الباحثة “إذا كان مرسيا إلياد قد اعتقد أنّ ‘المقدّس هو أصل الإنسان الديني‘، وأنّ الدين هو في جوهره ‘تجربة للمقدّس‘، فإنّ المقدّس في المجتمعات ما بعد الدينيّة قد غيّر من عناوينه. لقد تمّ تحرير مقولة المقدّس من حدود الديانات والاعتقاد في الكائنات المفارقة وتحوّل إلى شكل من الاحترام الكبير. احترام للإنسان بوصفه غاية في ذاته، وهذا أمر وقّعه في الحقيقة كانط منذ 1785، ثمّ صرنا اليوم نتكلّم عن حرمة الشخص وحرمة الجسد وحرمة الحياة الشخصية والحميمة للأفراد وحريّة الأشخاص في سياسة هوياتهم العقائدية والجنسية، وفي تحويل أجسادهم أو أجناسهم وفي اختيار الموت الرحيم”.

لقد صار الوطن مقدّسا والحرية مقدّسة والحق في المساواة بين جميع الناس أمرا مقدّسا منذ الإعلان العالمي عن حقوق الإنسان بتاريخ 1948. وصار الحديث عن احترام الطبيعة والحيوانات ومنع صيد ما هو آيل إلى الانقراض منها، وصرنا ننظّر لعقد طبيعي يوقّع ضربا من التقديس العلمانيّ للطبيعة نفسها مثلما وقّعه ميشال سار في أحد كتبه. وأصبح أبناؤنا يقدّسون ألعاب الفيديو ويعجبون إلى حدّ التقديس بنجوم كرة القدم وموسيقى الراب ونجوم السينما العالمية.

 كوجيتو السلع صار إلى ضرب من التقديس لثقافة البضاعة. الشعور بروعة الآثار الفنّية وتقديس معالم الذاكرة الفنّية وحفظها والاستياء الشديد من كلّ ما حدث من تدمير لبعضها في الموصل أو في سوريا من طرف الإرهابيين، كلّها تعبّر عن هذا الشكل الجديد من المقدّس الذي تكتب اليوم في أفقه سرديات المستقبل. ما دام السرد سواء كان أدبيا أو تشكيليا أو شعريّا أو مسرحيّا هو الإمكانية القصوى لأن يمنح الفنّ شكلا للزمن بيننا.

خلق البهجة

أم الزين بنشيخة المسكيني: المقدّس في المجتمعات ما بعد الدينيّة قد غيّر من عناوينه
أم الزين بنشيخة المسكيني: المقدّس في المجتمعات ما بعد الدينيّة قد غيّر من عناوينه

أما الرهان الكبير للكتاب فكان “نحو انتماء جمالي إلى العالم” بوصفه يؤرّخ في لغة الضاد لما حدث من تحوّلات فلسفيّة وتشكيلية وإبداعيّة في البرادايم الاستيطيقي الكبير منذ كانط وهيغل وهايدغر وريكور وغادامر إلى باديو وميشال سار، وغاتاري. وهو تأريخ يتمّ أيضا في أفق أسئلة الربيع العربي والإرهاب الإسلاموي وذلك في صلب ضرب من الوضعية التأويلية التي تحاول فحص المسافة بين النصوص المكتوبة في لغة الغرب والواقع الموقّع بحبر لغة الضاد الدمويّ في معارك ترتيب الذاكرة أو السطو على الماضي، لكن أيّ ذاكرة علينا حينئذ أن نختار الانتماء إليها؟ ذاكرة الحروب الدينية أم ذاكرة المعارك الحيويّة؟ أسنظلّ حرّاسا لنصوص منهوكة أم علينا التوجّه نحو سرديّة مغايرة تجعل المستقبل ممكنا لأوطاننا؟ وألا يزال المقدّس عندنا يتمتّع بصحّة جيّدة أم هو محتاج إلى شكل جديد من الزمنيّة؟

لقد أوكل الرومانسيون منذ شيلنغ وهولدرلين إلى حدود هايدغر إلى الفنّ مهمّة اقتفاء أثر المقدّس في العالم، بعد سقوط العالم في الزمن الرديء، وعدّ غادامر الأدب هو الراعي الوحيد لكينونة المكتوب بأن يبدع القرب بيننا وبين العالم، وبأن يجعل اللغة هي شكل الكينونة الأصلية أو ما “يبقى هناك” في ضرب من العهد الدائم. ولقد رأى الفيلسوف رينيه جيرار أنّ كل شكل من الأدب هو بحث عن المقدس وأنّ “وراء الإشارات العبثية للطقوس الخيالية للشاعر ينبثق المقدّس، مقدّس يفرض نفسه بقدر من القوّة إلى حدّ نلامس فيه العدم أكثر فأكثر”، بل الأكثر من ذلك أنّ الوضعية التأويلية للمعبد تقلّصت مع هايدغر بحيث لم يعد المعبد اليوناني مثلما يلتقطه كتاب أصل الأثر الفنّي لهايدغر، منتصبا من أجل العبادة، إنّما صار فنّا للكينونة بل هو من يستدعي الكائنات إلى باحة الكينونة بأن يهبها هيئتها المخصوصة.

وترى المسكيني أنّ ما حدث تحديدا للمقدّس في هذا البرادايم التأويلي والجمالي الجديد هو تحوّله من دموع الكهّان وخرافات المشعوذين ودمويّة المتعصّبين وباعة صكوك الغفران لذوي النفوس الواهنة، إلى باحة الفنّانين والمبدعين القادرين على توقيع الكينونة أو الصيرورة أو الذاتيات القادرة على كتابة سرديات المستقبل. هاهنا يتّخذ السرد معاني عدّة: فهو ذاك الحقل اللغوي الوسيع الذي يضمّ كلّ الأفعال اللغوية من قبيل الرواية أو اللوحة أو المسرح أو القصيدة. وهاهنا مهمّة السرد هي إعطاء شكل للزمن، بحيث يشترع كلّ سرد عالما أمامه هو عالم النصّ الذي يجد في الزمان مناظر له.

والسرد هو أيضا مهمّة العلم بحيث يجري اعتبار العلم إحدى سرديات المستقبل. وهنا يقدّم ميشال سار تصوّرا جماليا لتاريخ العلوم، ويرى أنّ العلم سرديّة جمالية أيضا، وذلك بوصفه يقصّ علينا تاريخ العالم ومنزلتنا ضمن هذه الفوضى الخلاقة التي جعلتنا هنا والآن. وفي هذا السياق ثمّة تحوّل جذري في قراءة العلوم المعاصرة لا بوصفها حقائق ذهنية بعيدة عن عموم الناس، بل بوصفها ظاهرة جمالية ضمن ضرب من الجماليات الاستثنائية. وهي جماليات نغنم منها توسيع دائرة المؤمنين بالعلم ضدّ الثقافات الدينية المتزمّتة التي نعاني من مشعوذيها ومن سماسرتها اليوم في هذا الانتماء الإسلاموي الكوني الكبير الذي يخصّنا.

وأشارت إلى أهمية العمل على توجيه عقولنا ومخيالنا نحو أسئلة المستقبل التي تدوّنها اليوم العقول الحرّة بالإبداع والفنّ والعلم والانتماء إلى باحة تكنولوجيا إنتاج الذكاء البشري بدلا من المكوث قرب بؤر الحمق المعمّم. إنّ شباب المقدّس بوسعه أن يتّخذ من الانتماء الجمالي إلى العالم خيطه الإشكالي الرفيع وبوسعه الاستثمار في ثقافة الأمل؛ أي في السؤال الثالث الذي وقّعه كانط منذ 1781 مانحا الإنسانية الحديثة إمكانيّة مغايرة للتوجّه نحو إنسانويّة جديدة تؤمن بالذكاء البشري المتاح في كلّ أشكال التخييل الجمالي والإبداع العلمي والتكنولوجي معا.

في كتابها تراهن المسكيني على فكرة أساسية هي قدرة الفنّ على اختراع ألعاب مقدّسة جديدة تجعل الحياة ممكنة

كيف نتوجّه إذا بآمالنا على نحو نتقن فيه إنجاز سردية البهجة وإعادة مشاعر الفرح إلى عالمنا وإلى لغتنا الجميلة؟ وكيف نخترع لأنفسنا الهشّة شكلا من المناعة الاستيطيقية المضادّة لسياسات اليأس التي ينشرها الجلادون الجدد في مستنقع الإمبريالية المتوحّشة؟ وكيف في وسعنا أن نوقّع معا عقدا جماليا يضمن ثقافة التسامح والاختلاف، ويعدنا بقيم الحبّ والسعادة في زمن البؤس البشريّ المعمّم؟ كيف نقلّب عقولنا ثانية بين التسامح الرومانسي الذي يصالح بين الشعوب وشعرائهم، والتسامح التنويري الذي يدافع عن حريّة الضمير ويفصل بين العقل والميثولوجيا، من أجل التقدّم نحو ثنايا سرديّة مغايرة في ضرب من الانتماء الجمالي إلى العالم؟ رُبّ انتماء كفيل بشطب الهويات المسعورة إلى أكل عقول البشر وضمائرهم، والدفع بذاكرتنا العربية إلى جغرافيات حيويّة أجمل.

هذه الأسئلة المحرجة والمعقّدة سعت المسكيني إلى الإجابة عليها وذلك باستدعاء أهمّ النقاشات الفلسفية والجمالية المعاصرة التي حدثت في صلب البرادايم الثقافي العالمي الجديد. لذلك فالكتاب يحاول الانخراط في صلب برادايم تعدّد الاختصاصات فتراه يترحّل بين فلسفة الدين والتأريخ لحرب الأيقونات وللتسامح التنويري “القسم الأوّل”. ومجال فلسفة الأدب بما هو بحث عن المقدّس عبر معارك الاستعارة وكينونة المكتوب ورواية الأغنيات المخنوقة، عبر فلسفة الشعر وأغنيات الغجر المخضّبة بأعراس الدم لدى لوركا “القسم الثاني”. ومجال جماليات الفنون التشكيلية التي ترسم المقدّس تارة عبر التصوّف في الفنّ التجريدي وعبر “الدرجة الصفر من الشكل» أو في ضرب من “صمت الملائكة” أو عبر قداسة معارك الأرض “أرض فلسطين في أعمال حاطوم وغيرها..” أو “كوجيتو السلع” في حضارة صارت فيها السلع أصناما للعبادة أيضا، أو عبر فنّ البيو آرت و”أرنبة إدوردوكاك” “القسم
الثالث”.

15