نحو استراتيجية عربية لحل الأزمات

الأربعاء 2015/03/11

لكثرة الأزمات العربية وتعددها إلى درجة يصعب اللحاق بها، لم يعد التفكير في حلها على أساس قومي، أو في إطار مؤسساتي ضمن جامعة الدول العربية محل اهتمام أصحابها، الأمر الذي أدّى إلى استحداث بدائل، منها التفكير محليا وإقليميا ودوليا في الاستعانة بدول الجوار لحل تلك الأزمات، وإذا كنا لا ننكر أهمية دول الجوار إلا أننا نرى مساعيها حلولا غير كافية أو ناقصة، وأحيانا متناقضة مع الدور القومي، ناهيك عن أن تدخل دور الجوار في الشؤون المحلية يعبد الطريق أمام التدخل الدولي، خاصة عندما ترتبط هذه الدول العربية أو تلك مع الدول الكبرى، أو تدخل ضمن تحالف يفرض في الغالب أجندته الخاصة على المنطقة، وهو ما يظهر جليا في عدد من الدول العربية.

لا تخلو الدعوات العربية المُتعلقة بدول الجوار لجهة التدخل، أو التأثير على القوى المتخاصمة، من نوايا طيبة لإيجاد حلول مصحوبة بمخاوف من انتقال الأزمة من الدولة الجارة، لكنها على المستوى القومي تنقلنا من الحل الكلي إلى الحل الجزئي، فمثلا ليس هناك رفض للدعوة التي أطلقها مجلس التعاون الخليجي من أجل حوار بين القوى السياسية اليمنية في الرياض، أو التقاء المتخاصمين الليبيين في المغرب وبعدها في الجزائر، ولا حتى التقاء الفلسطينيين في مصر كما حدث بعد حرب إسرائيل على غزة، أو غيرها من الحالات السابقة أو اللاحقة، ولكنها حلول جزئية حتى لو تمكنت من الوصول إلى نتائج معتبرة.

الحلول الجزئية للأزمات في منطقتنا، تكشف عن تراجع لدور الجامعة العربية، ناهيك عن أنها تكرس الإقليمي على حساب القومي، وهذا ينتهي بنا إلى تدخل خارجي من دول غير عربية جارة، وهو ما نراه في التدخل العسكري السافر لإيران في العراق وسوريا، وكذلك التدخل التركي في البلدين وإن كان بدرجة أكبر في سوريا، كما أنه يفتح المجال أمام ثلاثة أنواع من رد الفعل، تحول دون فرض حل من دول الجوار على أساس إقليمي، يمكن ذكرها على النحو التالي:

الأول، تحرك كل دولة جارة حسب مصالحها، وحسب ارتباطاتها وتعهداتها والتزاماتها الدولية، ولنا في خروج قطر عن السياق العام لمصالح مجلس التعاون وقرارته المتعلقة بدعم مصر، وعدم التعاون مع الإخوان، ومواجهة الإرهاب، خير مثال.

الثاني، اتخاذ مسألة الجوار ذريعة لرفض المساهمة العربية حتى لو كانت مصحوبة بفعل حاسم يسهم في حل الأزمة، كأن ترى الجزائر أنها صاحبة الحق في فرض رؤيتها لحل الأزمة الليبية، أو ترى مصر أن علاقتها بدول الجوار مثل غزة والسودان شأنا خاصا بها، أو تبعد كل الدول العربية غير الجارة للعراق، أو حتى الدول الجارة مثل الأردن والكويت، من دعمه في حربه ضد الإرهاب، والمساهمة في إيجاد حل لأزمته، والاكتفاء بالاعتماد على إيران أو على القوى الدولية في محاربة قوى الظلم والشر والإرهاب.

الثالث، تحويل الأزمة المحلية إلى أزمة دولية، كما هي الحال في سوريا وليبيا وبدرجة أقل في اليمن، وهنا يصبح الحل بيد القوى الكبرى.

من ناحية أخرى فإن الحالة العربية الراهنة، تشي بالمزيد من الانقسام بخصوص طرح حلول مشتركة بيد كل الدول العربية لحل الأزمات، خاصة وأن التناقض بين الموقف الرسمي السياسي، وبين التناول الإعلامي الخاص يتعارض مع المواقف العربية الشاملة، من ذلك دعم الجزائر الرسمي لما حدث في مصر والاعتراف بشرعية الرئيس عبدالفتاح السيسي، في الوقت الذي تنتقده بعض وسائل الإعلام الجزائرية الخاصة.

ورغم أن مسألة التدخل في الشؤون الداخلية أصبحت ضرورة لدول الجوار، ومطلبا من القادة والشعوب وحتى من بعض القوى السياسية، إلا أن ذلك ليس مبررا لكي تحل بديلا عن حل تلتزم به كل الدول العربية ضمن رؤية مشتركة، تحمل مقاربات تراعى فيها خصوصية ومصالح كل دولة عربية بما في ذلك دول الجوار، ما يعني رفض السياسة الحالية المعتمدة على فكرة أن هذا أمر يخص الدولة الجارة أو دول الإقليم، مع عدم نفي أحقيتها في المساهمة بما يتفق والسياق العربي والدولي، لجهة البحث عن حلول تحقق تلك المصالح. لكن ما العمل والأزمات الراهنة تتطلب حلولا لا يجدي معها التنظير؟

الحل في وضع استراتيجية عامة، واعتبار الحلول الإقليمية التي تمت خارج الجامعة العربية مجرد تكتيك مرحلي، ولا نعتقد أن اتفاق الطائف بخصوص لبنان يمكن تطبيقه اليوم بخصوص الوضع في اليمن أو في غيره من الدول العربية التي تواجه أزمات تتعلق بحاضر الدولة الوطنية ومستقبلها، لا فقط لأن المعطيات الدولية تغيرت، ولكن لأن العرب تغيروا بل تغيرت دولهم تبعا لتغير رؤاهم نتيجة الثورات التي لم تحقق أهدافها.

غير أن الحل الجواري للأزمات العربية يظل مطلوبا باعتباره خيارا آنيا حتى لو وُظف في الإطار التكتيكي، ويمكن تحويله إلى خيار إستراتيجي في حال حُظِي بدعم عربي هادف، ولن يتم ذلك إلا إذا تخلى العرب عن حساسيتهم تجاه بعضهم بعضا، وقبولهم بتحمل أعباء المرحلة بشراكة واعية، بما يحدد مسار حركة العرب في التاريخ.


كاتب وصحفي جزائري

9