نحو تفاعل أكبر بين الفضائيات العربية

الأربعاء 2016/01/13

الفضاء العربي متزاحم بالفضائيات التي تجاوز عددها الـ700 قناة، وحتى في البلد الواحد قد يتجاوز عدد القنوات المحلية العشرات، وهي تتنوع ويتشابه بعضها إلى حد التطابق في الشكل والمضمون، وقد تختلف إلى حد التنافر، وهي في تكاثر سريع نظرا لسهولة التأسيس، وانخفاض تكاليف التجهيزات التكنولوجية، وقد ظهرت قنوات متواضعة خالية من الطموحات البرامجية من حيث المضمون والشكل وتعجز عن منافسة القنوات ذات الميزانيات العالية القادرة على توفير إمكانيات لإنتاج مرموق وجذاب.

وإن المرء ليتساءل أحيانا وهو يشاهد بعض الفضائيات الهشة والمتواضعة والرتيبة ما الذي دفع أصحابها إلى تأسيسها وإطلاقها في الفضاء، إلا إذا كانت تلك الفضائيات محطات حكومية إلزامية أو منابر ذات غايات دينية أو حزبية أو سياسية مقصودة!

ومع كثرة الفضائيات العربية من الملاحظ انعدام التعاون بينها إلا نادرا جدا، في الإقدام على مشاريع إنتاجية مشتركة لتكاتف الجهود البشرية والإمكانات التقنية وتقاسم التكاليف الإنتاجية، وقد تعثرت جميع محاولات الإنتاج المشترك التي أطلقتها هيئات شبه رسمية، مثل اتحاد إذاعات الدول العربية الذي جاهد كي تستمر السهرة العربية المشتركة ولو مرة في الشهر، وأن يتواصل التعاون مع المركز الإخباري العربي في الجزائر، أو أن ينظم شراء مشترك لحقوق عرض مباريات كرة القدم العالمية.

كما حاول اتحاد المنتجين العرب ومقره القاهرة وله فروع في عدد من البلدان العربية، أن يخلق بيئة نشطة للتعاون والمشاريع المشتركة وتبادل الخبرة، ولكنها غالبا ما بقيت في حدود التمنيات.

إن مشاريع الإنتاج التلفزيوني المشترك التي تحققت بنجاح في القرن الماضي، بعد تخطيط وإرادة جماعية وتخصيصات مالية واقعية، هو ما حققته مؤسسة الإنتاج البرامجي لدول الخليج العربي من إنتاجات ما زال المشاهدون يتذكرونها بإعجاب حتى الآن، ألا وهي برنامج “افتح يا سمسم” وبرنامج “سلامتك” والمسلسلات الدرامية المتميزة “المرايا” و”قصص خليجية” و”بيت أبوخالد”، وكانت أعمالا مشتركة بحق من حيث التمويل والإنتاج والممثلين والمخرجين والتأليف، وحتى من حيث العرض الأول الذي تم على جميع قنوات دول الخليج في آن واحد.

إن الفضائيات العربية، بالرغم من وحدة الرقعة الجغراقية والعمق التاريحي المشترك والهموم المتشابهة واللغة الواحدة مع وجود اللهجات المحلية المتكئة على لغة القرآن، لم تطور العمل المشترك بينها للرفع من مستويات الإنتاج وتضافر الجهود والإمكانيات وكذلك تقاسم التكاليف، وتحقيق نوع من التكامل الفني وصولا للتنوع البرامجي في كافة الأصناف: دراما، منوعات، تسجيلي، ثقافي، ديني، أطفال .. إلخ.

وقد كثر الحديث عن تنظيم تعاون فعال ومفيد لعمل القنوات العربية، ولكن جميع محاولات التنظيم والترتيب والتعاون توقفت أو تعثرت لأسباب عديدة، لعل في مقدمتها اختلاف وجهات نظر بعض مسؤولي القنوات العربية بمدى واقعية تلك المشاريع، وربما أستطيع أن أقول إن أنانية البعض منهم وتحزبهم لخصوصيتهم الواقعية أو المزعومة جعلتهم يقفون ضد تلك المشاريع، وحتى تلك التي كتبت على الورق وتمت مناقشتها في مؤتمرات رسمية أو غير رسمية.

وفي واحد من تلك المؤتمرات العربية تحدثت عن أهمية إشاعة ثقافة التعاون الإنتاجي بين المحطات واقترحت بلورة مشاريع إنتاجية تكون المشاركة فيها طوعية، والتحالفات اختيارية، مثلا لو صممت محطة ما لمشروع تلفزيوني أن تعمم تفاصيل ذلك المشروع على القنوات ويكون الباب مفتوحا لأي قناة للمشاركة الطوعية في المشروع ضمن التزامات وحقوق متفق عليها.

أو أن تتولى هيئة إعداد تصورات لمشاريع تلفزيونية، تتم دراستها فنيا واقتصاديا وواقعيا بعقلية متنورة واعية وبنهج من الشفافية المدركة لمتطلبات المشاهد في عصر تتزاحم فيه القنوات وتنعدم فيه حدود الفضاء واللغات، وتطرح هذه المشاريع على الفضائيات أو القطاع الخاص للمشاركة الطوعية في الإنتاج. وكل حسب إمكانياته ورغبته.

إن أحلام وأمنيات العاملين في مجال الإنتاج التلفزيوني العربي هي إشاعة ثقافة التعاون الإنتاجي بين المحطات.. ونشك أن يتفق العرب على مثل هذا… ولكن ألا يحق لنا أن نحلم!

18