نحو سرقة موصوفة لأصوات التونسيين

المشهد السياسي المكون للبرلمان في تونس اليوم ليس هو نفسه الذي أفرزته انتخابات 2014، ولا يمثل في جانب كبير منه ما صوّت له الناخبون قبل سنوات.
الخميس 2019/02/21
الحفاظ على الأغلبية

تريد أحزاب في السلطة الحاكمة في تونس وضع “عتبة انتخابية”، قبل خوض الانتخابات المقررة هذا العام، لن يسمح معها بدخول أي حزب البرلمان دون الحصول على الأقل على نسبة خمسة بالمئة (وبعض التقارير من تقول ثلاثة بالمئة) من أصوات الناخبين، وهو إجراء في ظاهره لا يخرج عما هو سائد في عدد من الديمقراطيات العريقة في العالم، غير أنه في السياق الحالي بتونس ينطوي على الكثير من التضارب والمفارقات.

يقول مؤيدو هذا المشروع الذي يأتي قبل أشهر قليلة فقط من موعد الانتخابات، إن الهدف منه هو إتاحة الفرصة لعملية فرز تلقائية لحالة التشتت الكبير للأحزاب وتكاثرها، الأمر الذي شكل في الدورة البرلمانية الحالية المستمرة منذ 2014، عائقا أمام ظهور أغلبية واضحة ومتجانسة في البرلمان قادرة على الحكم وتطبيق سياساتها وبرامجها في أريحية.

عمليا ستحول العتبة “القانون الانتخابي” إلى غربال سيطيح بلا شك بغالبية الأحزاب التي وصل عددها إلى 215 حزبا حتى الآن وبالشخصيات المستقلة، ويجعل التمثيلية الحزبية داخل البرلمان في دائرة ضيقة قد لا تتعدى خمسة أحزاب في أقصى الحالات، وهي نتيجة تتوقف أيضا على نسبة الإقبال من الناخبين إذ أن مؤشرات العزوف الحالية قد تجعل من دائرة الأحزاب الممثلة أكثر انحسارا.

وفي الواقع نسي مؤيدو العتبة أو تناسوا أن “الأغلبية” المريحة التي ينشدونها، وحتى مع ضمانها في بداية الدورة البرلمانية الجديدة وإبعاد الأحزاب الصغيرة والمستقلين، لا شيء يضمن فعليا استمرارها في ظل الحالة التونسية الفريدة في الحكم.

فالنظام السياسي الجديد في تونس والنظام الانتخابي لا يسمحان بظهور أغلبية مطلقة، وهما نظامان سعى واضعوهما منذ البداية في المجلس الوطني التأسيسي بعد الثورة في 2011، إلى قطع الطريق عن عودة حكم الحزب الواحد والاستفراد بالسلطة كما كان الأمر سائدا على مدى نحو ستة عقود منذ إعلان دولة الاستقلال.

لكن ثبت عبر الممارسة أن النظام السياسي الجديد والقائم على المزج بين الرئاسي والبرلماني، وبقدر ما نجح في رد الاعتبار إلى السلطة الأصلية (البرلمان)، فإنه أنتج سلطة برأسين داخل السلطة التنفيذية، ونزاعا متكررا على الصلاحيات بين الرئيس ورئيس الحكومة ازداد تعقيدا مع غياب محكمة دستورية لتحسم في مثل هذه الأمور.

فإذا كان الهدف الأساسي من طرح العتبة الانتخابية، هو إنتاج واقع سياسي يقوم على الحد الأدنى من الاستقرار والتناغم، فإنه من باب أولى وأحرى النظر في أصل المشكلة، داخل الدستور والنظام السياسي برمته. فالعتبة ليست ضمانة حقيقية لتنهي مشكلة التشتت والتشرذم وبالتالي فإن فرضها يصبح أمرا عبثيا حسب ما يذهب إليه معارضوها وخطوة تتعارض مع معيار التنوع في برلمان ديمقراطي.

والحجة الموضوعية في ذلك أن العتبة لن تحول مثلا دون الانشقاقات التي تحصل داخل الأحزاب خارج البرلمان ومن ثم انسحاب النواب من تلك الأحزاب واختفاء كتل برلمانية برمتها، كان الناخبون قد صوتوا لها بناء على انتمائها الحزبي الأول في الانتخابات.

المشهد السياسي المكون للبرلمان في تونس اليوم ليس هو نفسه الذي أفرزته انتخابات 2014. ولا يمثل في جانب كبير منه ما صوّت له الناخبون قبل سنوات. على سبيل المثال يشكل حزب حركة نداء تونس الفائز بتلك الانتخابات، دون حصوله على أغلبية مريحة ضد الإسلاميين، الحالة الأكثر وضوحا للتبرير المغلوط وراء إقرار العتبة.

خسر النداء اليوم حوالي نصف مقاعده التي فاز بها في 2014 ولم يعد له وجود في الحكم، بينما اختفى حزب الاتحاد الوطني الحر الذي حل ثالثا في الانتخابات وانصهر مع نداء تونس. ثم ظهرت من رحم النداء كتلتان جديدتان في البرلمان تضمان في الأغلب نوابا منشقين عن النداء وتمثلان الآن النواة الأساسية لحزبين جديدين (مشروع تونس وتحيا تونس) لم يصوت لهما الناخبون في 2014.

ليس هناك ما يضمن الاستقرار وبقاء الأغلبية التي يطلبها داعمو مشروع “العتبة”. وربما يمثل هذا، أي الحفاظ على الأغلبية، التحدي الأول أمام المؤيدين أنفسهم لتعديل القانون الانتخابي، لاسيما التيارات التقدمية والليبرالية التي عرفت بالانقسامات والتشتت وافتقادها للالتزام السياسي وبإقبالها على السياحة الحزبية داخل البرلمان.

7