نحو عالم من زجاج

الخميس 2015/08/27

أصبح المعمار الرّاهن ميّالا إلى استعمال الزّجاج، ليس في الواجهات فقط وإنما في الأسقف والدّعامات أيضا. ومع تطور تقنيات العزل الحراري انتشرت الظاهرة لتشمل مدن المناطق الحارة.

ولهذا المنحى مغزى ودلالات. فضلا عن جمالية الأبنية الزجاجية، وما تتيحه لقاطنيها من رؤية فسيحة واسعة، ومن إضاءة طبيعية ناصعة، يمنح الزجاج للمعمار أبعادا هندسية جديدة.

ففي الوقت الذي يتناغم فيه الإسمنت مع أبعاد الهندسة التقليدية، حيث الامتدادات الخطية العمودية والأفقية، والزّوايا القائمة، والمكعبات، إلخ، يتيح الزجاج إمكانات كبيرة للتلاعب الهندسي وإبداع أشكال غير خطية، بحيث يصير البناء أكثر بهاء، كما هو الأمر بالنسبة إلى عدد من المتاحف الشهيرة في العالم. لكن هذا جانب واحد، وهناك جانب آخر.

الملاحظ أن المؤسسات المالية هي الأكثر ميلا إلى استعمال الزجاج في تشييد بناياتها. لا يتعلق الأمر بمجرد اعتبارات جمالية لا تقليدية، وإنما هناك اعتبارات أخرى تذكرنا بالرسالة التي يريد أن يحملها الزجاج، رسالة الشفافية والنزاهة، أو هذا هو المراد. ولهذا السبب يفضل بعض المدراء أن يشيد مكتبه الداخلي من الزجاج، في تعبير عن الشفافية في التدبير، أو هذه هي النوايا. والملاحظ كذلك أن حتى المحاكم، لا سيما المحاكم التجارية، بدأت تنحو إلى استبدال الإسمنت بالزجاج.

لكن، من سوء الحظ أنّ الشكل لا يعكس دائما المضمون، بل قد يكون التشدد في الشكل من باب التعمية والتعتيم. وهذا ما يصدق في كل المجالات، بدءا من العلاقات الشخصية وانتهاء إلى المؤسسات الدولية.

فالملاحظ أن المعاملات المالية العالمية، وأسواق المال، والبنوك الدولية، ومنظمة التجارة العالمية، وما يسمى بالجنات المالية، وغيرها، لا تعكس أي قدر من الشفافية التي قد يحملها المظهر الزّجاجي لواجهات البنايات. وهذه مفارقة كبرى.

غير أنّ من سوء حظ “أسياد العالم” أن ثمة معطى آخر بدأ يتدخل لصالح الزّجاج هذه المرّة. لقد صيّرت تقنيات التواصل الحديثة العالم أكثر انكشافا؛ فالاختراقات ممكنة، والتسريبات ممكنة، بل يبدو الحال كما لو أننا نقترب من عالم زجاجي بالفعل، عالم لا تصمد فيه الأسرار طويلا، أو هذا ما تقوله سيولة التسريبات التي تكاد تبلغ درجة الإسهال، وهي تطال العشرات من المسؤولين في العالم.

إن التسريبات التي تخص الأرصدة المصرفية، والمعاملات المالية، والوثائق السرية، تضع العالم في الأخير أمام خيارين واضحين: إما المزيد من إجراءات الزجر والمنع والرّدع أملا في حماية “الأسرار”، وهذا توجه غير ممكن وغير حكيم؛ وإما المزيد من الشفافية والوضوح في المعاملات المالية، والعلاقات الدولية، والعلاقات بين الدول، وهذا هو الممكن الذي يجب أن نناضل من أجله. وهو خيار معقول؛ لأنه يمنح للديمقراطية حياة أفضل، ويضمن في الأخير، لكل إنسان، ولكل مؤسسة، ولكل دولة، معاملة قائمة على الصدق والشفافية والاحترام. قديما قيل، إذا كان بيتك من زجاج فلا تقذف الناس بالحجر. حينها كانت بيوت الزجاج نادرة. غير أننا جميعنا قد نضطر غدا إلى العيش في عالم من زجاج.

24