نحو عودة حقيقية للجزائريات إلى الفضاء العمومي

مع حضورهن الكبير في الاحتجاجات والمظاهرات الجارية في الجزائر كل يوم، لم تعد النساء عابرات مسرعات للفضاء العمومي كما كن سابقا وإنما هن اليوم في قلب المجتمع المدني.
الأحد 2019/04/21
جزائريات يؤكدن أن النضال مازال طويلا أمامهن

لم تكن النساء الجزائريات ممنوعات من الفضاء العمومي ولكن لا يمكن القول بأنهن كن حاضرات ومقبولات مثلهن مثل الذكور. كن يعبرن هذا الفضاء مسرعات خائفات تلاحقهن نظرات جائعة وكلمات نابية في أغلب الأحيان. يبدأ تأثيمهن وتهديدهن وابتزازهن العاطفي منذ الصغر لإقناعهن بأن الفضاء العمومي خطر على النساء ومصدر لفساد الأخلاق. باسم الحشمة والشرف والدين والرجولة الزائفة، قدّست بكارتهن وحفاظا عليها يشتد الخناق عليهن مبكرا.

وقد اختفت كثيرات منهن تحت حجاب أو جلباب أو خمار هروبا من المضايقات والتحرش إذ بسبب خطاب الأئمة في المساجد والإسلاميين في كل مكان أصبح ينظر إلى غير مرتديات الحجاب المتناقص عددهن باطراد كمتبرجات لا يلتزمن بالقواعد الإسلامية بل ويوصفن بالعهر أحيانا.

ولم يأت ذلك الرفض للنساء من عمق المجتمع الجزائري الأصيل بل هو نتاج هجمة أصولية خارجية تواطأت معها نخب محلية متأسلمة من داخل النظام وفي المعارضة على حد سواء. فعلى سبيل المثال وتحت ضغط المتأسلمين، لم يبرّر قانون الأسرة الجزائري بعض الأعراف الاجتماعية المتكلسة فحسب بل حاول إحياء الكثير منها إذ في الوقت الذي كانت فيه عادة تعدد الزوجات في طريقها إلى الاضمحلال في جزائر الريف والمدينة جاءت السلطة سنة 1984 بهذا القانون ليعيد بعث التعدد من جديد. وقمع النظام آنذاك النساء المتظاهرات ضده أمام مبنى البرلمان. ولم يكن الأمر تقنينا وتنظيما لواقع وإنما كان تشجيعا لسلوك انحرافي وإشباعا لنزعة دينية لا غير. وحينما فرضت بعض النساء المناضلات النقاش حول مشروعية النص وتناقضه البائن مع الدستور الجزائري، شكّل الرئيس المخلوع بوتفليقة لجنة مراجعة ثرثر أعضاؤها من عام 2001 إلى عام 2005 ولم تكن النتيجة سوى بعض إصلاحات محتشمة لا تمس لب المشكلة، ولم يحرر النص المجمّل الجزائرية من وصاية الجزائري. ولن تنسى الجزائريات موقف الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة المتخاذل حينما صرح وكأنه يحكم عليهن أن يكن مثنى وثلاث ورباع إلى الأبد قائلا “لا يمكنني أن أعصي الله، قال، لا أستطيع أن أساوم مع الآيات القرآنية”.

 وفي هذا الشأن، تقول لنا الأكاديمية والمسرحية خيرة بن عتو صاحبة مسرحية “علب” إن النضال مازال طويلا أمام المرأة الجزائرية كي تفتك كل حقوقها وتتجاوز قانون الأسرة المجحف في حقها ولتتمكن من نيل حقها في المساواة مع الرجل وحقها العادل في الميراث. هذه الثورة فرصة للجزائرية تضيف، لتخرج من العلب التي سجنت فيها. وتحقق ذاتها ككيان مستقل غير تابع لأحد.

وحقيقة لقد كرس قانون الأسرة هذا المستلهم رأسا مما يسمى شريعة إسلامية دونية المرأة الجزائرية وقصورها. أهدى كل الحقوق للذكور، فإن كانت عزباء، تقول المادة 39، فهي تحت رقابة أقرب الرجال إليها وإن كانت متزوجة يتوجب عليها طاعة زوجها وأهله.

ورغم هذا الحصار القانوني والاجتماعي، لم تستسلم النساء الجزائريات ورحن يقتحمن كل مجالات الحياة جراء تفوقهن الكبير في الدراسة إلى درجة بتن يشكلن الأغلبية في كل الجامعات الجزائرية إذ يفوق عدد الناجحات في الباكالوريا عدد الناجحين في كل عام، ففي سنتي 2017 و2018 كانت نسبة نجاحهن 65 بالمئة. ومع ذلك لا تمس البطالة سوى 11 بالمئة من الذكور المتحصلين على شهادات بينما تمس 55 بالمئة من النساء. وإن بلغ عدد الذكور الذين يمارسون عملا 9 ملايين سنة 2018، فعدد النساء لا يتعدى المليونين!

وقد عرفت المرأة الجزائرية مع الأيام أن الفضاء العمومي ينتزع ولا يعطى هدية. ولم تتردد في المشاركة في المظاهرات الصاخبة في الجزائر ضد النظام منذ أولها في 22 فبراير الماضي، فكانت في أول الصفوف تحمل الشعارات وتهتف وترقص وتركض وتنظم وتحتل الشارع في تناغم وتضامن تام مع الذكور وتُسقط الحواجز النفسية والدينية وتفقأ العيون المتربصة التي كانت تحول بينها وبين تواجدها الطبيعي في الفضاء العمومي. التمرد ضد النظام هو إعلان قوي لميلاد مجتمع مدني حقيقي مختلط، سيفتح آفاقا للحريات الفردية بالنسبة للنساء والرجال على حد سواء. وما هو جديد فعلا هو استقبال المتظاهرين للنساء سواء كن محجبات أم غير محجبات باحترام وترحيب وتعاطف لم تعرفه التجمعات الشعبية في الجزائر منذ زمن طويل. ولكن لم يأت هذا الاحترام هكذا فجأة بل هو نتيجة لنضالات نسوية مبكرة ضد النظام قادته نساء متميزات شرسات منذ مدة كالطبيبة أميرة بوراوي التي كانت تخرج على رأس مجموعة من النساء والرجال منذ 2014 ضد العهدة الرابعة لتقول لبوتفليقة “بركات”، أو كفى وهو اسم الحركة التي كانت تترأسها قبل أن تتحول إلى “حركة مواطنة”. وكذلك المحامية ورئيسة حزب سياسي، زبيدة عسول التي لم تكف عن المعارضة والدفاع عن دولة القانون.

نحو تكريس شعار "ديمقراطية..حقوق نسوية"
نحو تكريس شعار "ديمقراطية..حقوق نسوية"

لم يسبق أن نزلت النساء بهذا العدد الهائل إلى الشارع كما يحدث اليوم مع ثورة الابتسامة. ولو أن حميدة آيت الحاج الكاتبة والمخرجة المسرحية والأستاذة بالمعهد العالي لفنون العرض بالجزائر تقول لنا إنها لاحظت حضورا محتشما للجامعيات والمثقفات والفنانات واللواتي من المفروض أن يكن في الواجهة ولكنها مسرورة بالنظرة التي قدمتها النساء عن المجتمع الجزائري كما هي متفائلة بتغيير النظام.

ومع ذلك فقد كانت وسط الحشود الكبيرة إلى جانب العاملات وربات البيوت والنساء المتقدمات في السن وبعض المهندسات والطبيبات والمعلمات، والصحافيات وحتى مجاهدات شهيرات كأيقونة ثورة التحرير الجزائرية جميلة بوحيرد…خرجن كمواطنات من الدرجة الأولى وليس كناقصات عقل ودين كما يقول الإسلاميون. كان لوجود المناضلة جميلة بوحيرد رمز النضال النسوي المغتصب بعد الاستقلال وسط جموع المتظاهرين وقعا خاصا على الجزائريات ذكّرهن ببطولات جداتهن خلال حرب التحرير الجزائرية حيث كان لهن نفس واجبات الرجال وحينما جاء الاستقلال أخذ الرجال كل الحقوق وفرضوا لامساواة ظالمة على النساء.

 وهو الأمر الذي لا تريد الجزائريات أن يتكرر عقب ثورة الابتسامة اليوم. هن عاقدات العزم هذه المرة على أن التحرر سيكون معهن أو لا يكون.

وفي تدخلات وبيانات عديدة لمنظمات نسوية ومواقع إلكترونية هناك إجماع على أن الوقت قد حان لتجاوز الفكر الإخواني القروسطي وبناء جزائر ديمقراطية جديدة تضمن العدل والحريات الفردية والجماعية والمساواة بين الجزائريات والجزائريين كيلا يتكرر التاريخ ويتم السقوط مرة أخرى في نظام مجتمعي يعادي المرأة ويحتقر الأنوثة. وحسب منظمات نسوية ومواقع ستكون مظاهرات 5 أبريل تحت شعار: المرأة ثورة لا عورة.

ولئن كان دفاعهن عن حقوقهن في الماضي وجديتهن قد فرض حضورهن المتزايد في جميع مجالات الحياة، فمشاركتهن الكبيرة في الانتفاضات اليوم سترسخ عودتهن المشروعة إلى الفضاء العمومي كمواطنات متساوية الحقوق مع الرجال، يبتغين تقرير مصيرهن الفردي والجماعي وفرض كرامة وجودهن. لقد وفّر جو التمرد الشعبي على النظام وحرية التظاهر والتعبير المنتزعتين فرصة كبيرة للنساء لإبراز الرابط المدني المتجاهل الذي يربطهن بالمجتمع. ولم يخرجن للمشي وللمطالبة برحيل النظام فقط بل وخصوصا من أجل تحرير أجسادهن من المخيال الذي سجنها فيه المجتمع ونظامه السياسي والبطريركي.

هي مقاومة للحصار شبه الشامل المضروب على حياتهن ورفض لاعتبار أجسادهن قلعة شرف عائلاتهن وكأنهن يقلن للجميع إن أجسادهن ليست عورات بل الجمال مجسدا وإنه ملك لهن وحدهن. ويتوجهن خاصة لرجال الدين والإسلاميين الذين يحترفون شيطنة الأنوثة ليقلن لهم إن خطاباتهم كاذبة وليس هن سبب الانحطاط الأخلاقي في المجتمع كما يدّعون. الخطاب الديني هو الذي شكك في قدراتهن وساهم بقسط واسع في خلق ضعف الكثيرات من النساء وتضييق مساحة حريتهن وتحركهن الطبيعي في الفضاء العمومي. ولم يفعل النظام السياسي القائم سوى تجسيد ما ينشره الإسلاميون فحارب الاختلاط بين الذكور والإناث داخل أقسام الدراسة والمطاعم المدرسية وقاعات الانتظار ومكاتب الاقتراع…

 مع حضورهن الكبير في الاحتجاجات والمظاهرات الجارية في الجزائر كل يوم، لم تعد النساء عابرات مسرعات للفضاء العمومي كما كن سابقا وإنما هن اليوم في قلب المجتمع المدني وهن الأكثر ترديدا لشعارين “جزائر حرة ديمقراطية” و”ديمقراطية..حقوق نسوية” والذي يمكن ترجمتهما “لا للدولة الدينية، لا لتطبيق الشريعة، لا لحكم الإسلاميين، لا للاستعمار الأصولي”.

ولم تخرج وريثات الملكة تينهنان والملكة ديهيا وفاطمة نسومر وجميلة بوحيرد وحسيبة بن بوعلي للمطالبة بحقوقهن كنساء فحسب بالمساواة بين الجنسين والحق في اختيار لباسهن الخ بل كمواطنات يطالبن بانتزاع بلدهن من بين مخالب نظام فاشل وفاسد وغير شرعي. وقد أضفت مشاركة النساء، تقول لنا الروائية فيروز رشام صاحبة “تشرفت برحيلك”، لمسة أنثوية مميزة على المظاهرات وأن مشاركتهن زادت من حماس المسيرات وكانت فرصة لرفع مطالب وشعارات نسوية لأول مرة في الشارع الجزائري منذ سنوات.

20