نحو مساواة كاملة غير مشروطة

الخميس 2015/05/28

حركة حثيثة هذه الأيام، ومساع تطالعني هنا وهناك من أجل مساندة المثليين في العالم العربي، ودعم مطالبهم، والاعتراف بوجودهم في مجتمعاتنا. من ذلك أن جمعية تونسية حصلت على ترخيص من السلطات المعنية لممارسة نشاطها في دعم حقوق المثليين وإيصال صوتهم. وجاء في الخبر الذي تناقلته وسائل إعلام محلية، أن الجمعية حصلت على الترخيص ليس بقرار رسمي، وإنما بسبب التأخر في الرد على مطلبها، وهو حق يكفله لها القانون. ولا بد أنه كان حلا وسطا ذكيا ومرضيا لكلا الطرفين من أجل الوصول إلى هذا الاتفاق.

في لبنان أيضا، حركة غير مألوفة، تشرف عليها مؤسسات للمثليين، أخرها المشاركة بفعاليات حية وبيان في اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية الذي مرت عليه أيام قليلة. وتستعين هذه المؤسسات بوجوه معروفة لإسماع صوتها، ‪تنشر كليبات وتقيم فعاليات، وتشارك في برامج تلفزيونية لحث الناس على قبول المثليين كخطوة أولى نحو تمكينهم من حقوقهم، وترى المؤسسات الراعية لهم في عالمنا العربي أن هذه الفئة تعاني من العنصرية والتفرقة، وهو ما لم يعد يتماشى مع تشريعات الدولة المدنية الحديثة.

أعيش في هولندا، بلد المثليين بامتياز، أعرف الكثير منهم واختلط بهم في العمل، والنوادي والمدارس. في بلد يتمتعون فيه بكامل حريتهم ويمارسون فيه حياتهم بشكل طبيعي. في السنوات الأولى التي تلت إقامتي، لم أتمكن من التخلص من رفض داخلي للمثليين. ورغم كل مجهوداتي لإخفاء هذا الشعور، إلا أن شيئا ما، كان واضحا من خلاله أنني لست متسامحة مع هذه الفئة، عكس إدعائي بغير ذلك، مجاملة أو انصياعا لقوانين بلد يأويني.

مع الوقت، وبسبب احتكاكي المباشر معهم في العمل، بدأت تتكون لدي فكرة أنهم ليسوا مختلفين في شيء، يحبون مثلنا، ويعيشون حياة تكاد لا تفرق في تفصيلة واحدة عن حياتنا. يجمعهم بيت وأسرة وحياة مشتركة وآمال وأحلام كالتي تجمعنا، متفوقون وناجحون، ومنهم من يصل إلى أعلى المراكز في العمل. جديّون، لطفاء، ومكافحون.

وجدت نفسي باختصار أمام أشخاص لا يختلفون عني في شيء، وربما ساعدهم هامش الحرية المتاح لهم من أن يكونوا أنفسهم، بلا مغالاة، أو تطرف في السلوك أو ردة الفعل تجاه المجتمع. واليوم أسأل نفسي أحيانا: ماذا لو أن أحد الطفلين كبر مثليا؟، فتأتي الإجابة صافية نقية: فليكن، سيظل ابني الجميل الرائع الذي أحبه كما هو، المهم أن يكون سعيدا، فمن منا لا يرغب أن يكون ابنه سعيدا؟

في عالمنا العربي تكثر الإشاعات حول هذه الفئة فتجد من يعتقد أنهم متخنثون، يرتدون لباس البنات ويسرحون شعرهم بطريقة غريبة لافتة، ويمشون متمايلين، يضعون الماكياج، ويقصون حواجبهم ويصبغون أظافرهم إلى ما ذلك من الصفات والتكهنات التي تبدو في الحقيقة مشروعة بسبب الجهل، والهالة والتغييب الذي مورس ويمارس عليهم.

إن كل ما نجهله ونتعامل معه بتهميش وإقصاء، تصدر عنه إحدى ردتي فعل، فهو إما يعيش في عزلة، حيث يمارس حياة خفية مزدوجة، يتحول بمواجبها، إلى عبء على نفسه وعلى محيطه، أو يتمرد ويقاوم ويجاهر ويتحول من الدفاع إلى الهجوم وهو ما لن ينفع أحدا على الإطلاق.

أبارك المساعي التي تحاول أن تجد مكانا لهؤلاء المهمشين، أن تأخذ بيدهم وتربت على أكتافهم، فهم بشر مثلنا. وإذا كان ديننا يوصينا بأن نكون رفيقين بالحيوان، فما بالك بإنسان مثلنا.

انتهى عصر التفرقة والتمييز، وإذا كان الإنسان قد نجح في نبذ الميز بسبب اللون أو الجنس أو العرق أو الدين، فلماذا لا يخطو الخطوة الأخيرة نحو مساواة كاملة غير مشروطة، ويضيف إلى ما سبق نبذه ورفضه للميز بسبب الميولات الجنسية؟ خطوة صغيرة بهذا الحجم تسرح عشرات الآلاف من أبنائنا من آلامهم وتمنحهم حياة كريمة، دعونا نقطعها معا.

21