نحو مشروع مارشال جديد للهجرة

المغرب يرى أن معالجة ملف الهجرة يجب أن تنطلق من الأخذ بعين الاعتبار تطوير مسلسل الشراكة بين الأفارقة والأوروبيين، في إطار مشروع تنموي شامل يرعى أوضاع البلدان المصدرة للهجرة.
الجمعة 2018/12/14
المغرب لا ينظر إلى قضية الهجرة من زاوية ضيقة

اختتمت بمراكش، الثلاثاء، أشغال المؤتمر الدولي الأول من نوعه حول الهجرة تحت رعاية الأمم المتحدة، بالمصادقة على “الميثاق العالمي للهجرة الآمنة والمنظمة”، بعد نقاشات وانقسامات بين الدول المشاركة، خصوصا بعض بلدان الاتحاد الأوروبي التي رأت في مضامين الميثاق، حتى قبل انعقاد المؤتمر، مساسا بسيادتها الوطنية وحقها في وضع سياسة داخلية في موضوع الهجرة يراعي مصالحها.

 الولايات المتحدة الأميركية وقفت في طليعة الدول الغربية التي رفضت الميثاق لدى صياغته في نيويورك قبل عام، بعد مفاوضات شاقة بين الدول الأطراف، وأعلنت انسحابها من المفاوضات، ثم تبعتها دول أخرى بينها المجر.

لكن أن يكون المغرب البلد الذي احتضن هذا الحدث العالمي الأكبر في قضية الهجرة، التي ملأت الدنيا وشغلت الناس في الأعوام القليلة الماضية، يُعدُّ شهادة على السياسة التي تنتهجها الرباط إزاء ظاهرة الهجرة بشكل عام، والهجرة الأفريقية بشكل خاص. فقد أولى العاهل المغربي محمد السادس ملف الهجرة عناية خاصة منذ أعوام عدة، في خضم الاهتمام المغربي بتعضيد علاقاته مع الدول الأفريقية، وسعيه إلى احتلال مقعده من جديد داخل الاتحاد الأفريقي بعد أكثر من ثلاثة عقود من الغياب، وهو ما تحقق العام الماضي في قمة الاتحاد بأديس أبابا.

ولعل موقع المغرب كبوابة عبور نحو الاتحاد الأفريقي عبر إسبانيا جعله محط أنظار المهاجرين القادمين من مختلف بلدان جنوب الصحراء والساحل الأفريقي وغرب أفريقيا، حيث يقصد هؤلاء المغرب بالنظر إلى عدم وجود تأشيرة بين المملكة وعدد من البلدان الأفريقية.

 ويستغل هؤلاء المرشحون للهجرة نحو أوروبا المعابر التاريخية التقليدية مثل الطريق الغربي والطريق الأوسط نحو الجزائر وتونس وصولا إلى المغرب، والطريق الشرقي نحو ليبيا ومصر للعبور نحو إيطاليا. وخلال السنوات الماضية مع اشتداد الحصار على الهجرة نحو إسبانيا وإيطاليا وتشديد الأوروبيين لسياسة العبور، أصبحت المنافذ تغلق في وجوه المئات من المهاجرين الأفارقة، مما دفعهم إلى اختيار البقاء فوق التراب المغربي بشكل شبه دائم.

وفي العام 2014 أصدرت الحكومة المغربية أول قانون متعلق بالهجرة واللجوء، صودق عليه في البرلمان، وحظي برعاية مباشرة من الملك محمد السادس، تمت بموجبه تسوية أوضاع الآلاف من المهاجرين الأفارقة الذين باتوا يحصلون على وثائق الإقامة وحق العمل والسكن، بناء على شروط يلزمها القانون بينها التواجد بالمغرب لفترة تزيد على ثلاث سنوات والتوفر على عمل وغير ذلك.

ومنذ اعتماد القانون الجديد تمت تسوية وضعية ما يزيد على 50 ألف مهاجر ينحدرون من مختلف بلدان جنوب القارة الأفريقية، خصوصا من منطقة جنوب الصحراء، التي يشكل المهاجرون المنحدرون منها نسبة 95 بالمئة من إجمالي المستفيدين من تسوية أوضاعهم، بينهم حوالي 18 ألف امرأة. كما أن المغرب فتح مراكز استقبال للمهاجرين، مثل المركز المتواجد بمدينة سلا قرب الرباط، يستفيدون من خدمات مختلفة منها خدمات الصحة والنظافة والتغذية والخدمات الإدارية.

بيد أن المغرب لا ينظر إلى قضية الهجرة من زاوية ضيقة، بل يعتبرها قضية تهم جميع بلدان الاتحاد الأفريقي والبلدان الأوروبية، على اعتبار أنها ترتبط بمستقبل الطرفين، ومن ثم يرى المغرب أن معاجلة ملف الهجرة يجب أن تنطلق من الأخذ بعين الاعتبار تطوير مسلسل الشراكة بين الأفارقة والأوروبيين، في إطار مشروع تنموي شامل يرعى أوضاع البلدان المصدرة للهجرة.

 وقبل بضع سنوات وجه المغرب دعوة إلى وضع ما يشبه مشروع مارشال شمال- جنوب تنهض فيه دول أوروبا بمسؤولياتها التاريخية تجاه القارة، مثل ذلك المشروع الذي قامت به الولايات المتحدة تجاه أوروبا المنهارة بعد الحرب العالمية الثانية.

9