نحو مقبرة للوطن

الأربعاء 2014/07/16

“لابد أن نموت ونكون كالماء المهراق على الأرض” سفر صموئيل الثاني. منذ بدء الخليقة شكلت فكرة الموت ظاهرة ضاغطة على الوجود البشري كقوة معادية للوجود، فعملت الميثولوجيا على تكييف مفهوم الموت لنفي حالة العبثية من الحياة، ولنفي الخوف من العدم، سعى الإنسان للتبشير بالخلود المطلق على الرغم من حتمية تعرض الجسد للتحلل ومن ثم الفناء.

تم قبول الموت والتآلف معه كحالة طبيعية، وسقطت رهبته كقوة معادية للإنسان، ولم يعد يحتل الحيز الكبير من التفكير البشري. وتحولت الأنظار إلى ما بعد الموت من أدونيس الذي يـموت كل سنة جريحا في الجبال وتنبعث روحه نصف عام ليقضي وقتا مع أفروديت ربة الجمال، إلى وجوده كزائر غير مرحب به يسوق الناس إلى الجحيم. لتكون التقدمة الأهم هي التضحية بالذات دفاعاً عن الدين والمذهب التي تساق تحت اسم الشهادة، والتي أسقطت عن الموت وجوده كحادثة حزينة، ومنطلقا نحو العقاب والثواب. هذا الموت الاختياري اعتبر السلاح الفعال في حثّ المقاتلين على التضحية بالذات في سبيل الله، وأثبتت الشهادة حضورها في ساحة المواجهة بين الحق والباطل في الدين الإسلامي، كمرتبة ينالها الميت تخول له دخول الجنة من الباب العريض.

مع ظهور نجم التطرف الديني وحركات الإسلام السياسي حاملة فكرة الجهاد في سبيل الله كواجب ديني لنشر الإسلام وإزالة الظلم، التي تم تعميقها من خلال الصراعات الآخذة في التطور في المنطقة بأسرها من الصراعات التاريخية وأسبابها الدينية الخاصة بين سني وشيعي، كافر ومؤمن، إلى صراعها مع القيم الفكرية الحداثية والمد الخارجي الثقافي، إضافة إلى سعي أصحابها إلى قيام دول دينية واستعادة مجد الأمة الإسلامية الضائع، تم تحويل فكرة الشهادة من خيار بالتضحية، إلى ثقافة يتم ترويجها وزرعها في النفوس، وكثر المروّجون الذين يبيعون صكوك الجنة عن طريق الشهادة.

اكتسح المد الجهادي وحالة الهيجان الديني العالم العربي، وانتشرت التيارات الأصولية المتطرفة تستخدم اسم الله في طغيانها، ولا تتعدى التجارة بالدين وتوظيفه لإقامة الإمارات مستغلة البسطاء تزجّ بهم في ساحات الموت الذي زينوه بوعود كثيرة، وكأنهم أرباب يتمتعون بالتقديس، مكررين ظلما أشد وطأة من ظلم السلطات السياسية.

تحول الصراع إلى انفجار طائفي أشعل فتيله بسهولة من أجل تحقيق مصالح قوى إقليمية، ومع ازدياد العلاقات التشابكية بين الدول في العالم العربي وخصوصا سوريا والعراق وإيران، وازدياد الخلط بين الاختلافات السياسية والخلافات المذهبية والعقائدية، ارتفع مستوى الدمار وتسويق الموت كوصفة نجاة، وانتشر القتلى «الشهداء» على امتداد الخريطة العربية ليبيين، مصريين، سوريين، عراقيين، فلسطينيين. سنّة، شيعة. داعش، نصرة، نقشبندية، حماس، طالبان، صفويين، إخوان مسلمين. لا يهم، الكل يظن أنه النموذج الذي يمتاز بالنقاء والطهارة، وكل يظن أن ما يفعله هو الصواب للتقرب من الله، وأنه عنوان للنصر وطريق معبّد للجنة.

صارت الشهادة شعارا للقتل بدل التضحية، وتحول الصراع إلى قاتل ظالم، ومقتول مظلوم يتلقى الاثنان لقب شهيد، وينال صكوك الجنة. ساهمت الشهادة ووعود الجنة في الانتصار للموت على الحياة، وتحول العالم العربي إلى مقبرة، وتحول الإنسان مجرد تفصيل على شاهدة القبر.


كاتبة ورسامة سورية

9