نخلة الوهيبي في غابة الصنوبر

الأربعاء 2016/08/24

قبل عام بالضبط توفي الفنان التشكيلي محمد الوهيبي في منفاه بألمانيا، بعيدا عن دمشق التي أحبها حتى الثمالة. والآن تصلنا الأخبار عن أن تراث هذا الفنان بات عرضة للتشتت والضياع بين المنفى والوطن. بين مرسمه القديم في مخيم اليرموك ومرسمه الجديد في دمر. بين سوريا وألمانيا. وكأن الهاجس الذي لازم الفنان المولود في فلسطين قبيل عام النكبة، أصبح كابوسا يطارد لوحاته!

صنع الوهيبي أدواته بنفسه، وابتكر تقنياته الخاصة، فكان الحفر على المعدن وتلوينه بألوان غير مألوفة طريقته في التميز والاختلاف والفرادة التي ميزت تجربته الفنية. ولذلك احتل حيزا خاصا على خارطة التشكيل العربي، لا يشبه أحدا، والأمر ليس تقنيا محضا، فالموضوعات التي اختار التعبير عنها جديدة أيضا، سواء من ناحية الفكرة أو اللون، حتى أنه يخيل للمرء أنه ينتمي إلى سلالة من الفنانين الذين تركوا كل هذه الأوابد الشامخة في الشرق القديم.

حقا هي مأساة ألا تحظى لوحات الوهيبي بالسكينة بعد موت صاحبها، فكل ما يحلم به مكان هادئ يمارس فيه طقوسه وتجاربه الفنية، في الفضاء اللوني والحضاري الذي ينهل منه.

رفض الوهيبي طوال حياته فكرة الهجرة ومغادرة دمشق، رغم العروض الكثيرة التي قدمت له من أكثر من بلد أوروبي، وكان يتذرع برهاب ركوب الطائرة، ولم يكن الأمر أكثر من ذريعة للهروب من التساؤل الدائم، لماذا لا تسافر خارج سوريا؟

لقد نجحت الحرب السورية فيما فشلت فيه كل مغريات العالم، واضطر الوهيبي إلى مغادرة دمشق رغما عنه، ولكنه سرعان ما أصيب باحتشاء قلبي قاتل، بعيْد وصوله إلى منفاه بوقت قصير.

لم يكن قلب الوهيبي يحتمل كل هذا الألم، وخصوصا فكرة أن يعيش بعيدا عن مرسمه الدمشقي، فتمرد عليه قلبه، وتوقف في لحظة حرجة بين الحلم واليقظة. بين الرحيل والاستقرار في المنفى الجديد.

من يعرف الوهيبي يدرك تماما سبب موته، فالارتباط بالأمكنة الحميمة التي صنعها، أو كيّف نفسه معها، ليس ارتباطا طارئا أو متغيرا بل هو استلهام لنسغ الحياة من خلال إدراك كنه الوجود، واستشراف لحظة الإشراق التي تقوده إلى اللوحة.

كان إحساسه بالقداسة طاغيا. والقداسة مرتبطة بذاكرة كان يغذيها بجولات ميدانية لبعض الأماكن النائية المليئة بتفاصيل تمد رؤيته الجمالية بأسباب الديمومة والاستمرار، كجبال القلمون، وخرائب حوران، حيث كان يبحث عن الأثر الذي يتركه الإنسان على الأمكنة، حتى بعد هجرانه لها، وتركها طعمة للتقادم والاضمحلال. لقد هيمنت عليه خلال سنواته الأخيرة فكرة الخراب التي جسدها في عدد كبير من اللوحات، متخذا من جموع المتصوفين تنويعات جمالية ليس من السهل نسيانها.

تتنفس لوحات الوهيبي من البيئة المحلية لجنوب سوريا وفلسطين، وقد تكونت مخيلته التصويرية ضمن هذا الفضاء المغلف باليباب، ولا شك في أن الفضاء اللوني لأوربا الباردة قد أشعره بأنه أشبه بنخلة اقتلعت من صحرائها وألقيت في غابة صنوبر، فكان مصيرها/ مصيره الموات.

كاتب من سوريا

14