نخيل العراق يموت واقفا ولا أكف تداويه

الجمعة 2013/10/04
طفلة عراقية في أحد مزارع النخيل بالبصرة

بغداد – وجدت النخلة نصيبها من الحرب العراقية الإيرانية فكانت للجنود "رطبة وحطبة وحماية رقبة". وصارت لنا مثلاً في الكرم والتضحية، وسقط منها ضحايا العدد الكثير مرة أخرى بحرب ثانية، فلم تشملها قوانين التعويض إلا مؤخرا أو ربما تدقيقا بطريقة متباطئة وهي الآن تخوض غمار حرب التجريف والتجاوزات السكنية.

وكم رددت في خاطري قصيدة – أنشودة المطر – للشاعر العراقي بدر شاكر السياب التي يقول فيها :

عيناك غابتا نخيلٍ ساعة السحرْ،

أو شرفتان راح ينأى عنهما ضوء القمر

فكنت ممن سكن قضاء شط العرب وذات يوم تمتعت بلحظة السحر هذه، أما الآن فقد سار العمى إليها بعد أن امتدت يد التجريف والتجاوز عليها.

ويعد النخيل من الأشجار مستديمة الخضرة، ذات أهمية اقتصادية كبيرة مما جعلها سابقا تساهم في الدخل القومي بجزء كبير، ويحتل النخيل من الناحية الاقتصادية مكانة خاصة في القطاع الزراعي، فالعراق إذ تستغل أراضي بساتين النخيل وعمليات كبس التمور والصناعات المشتقة منها في تشغيل نسبة كبيرة من العمال. فالنخلة هي الشجرة الوحيدة ربما، ودون مبالغة، التي لا يُترك منها شيء إطلاقاً: فمن الثمر إلى السعف والصناعات الحرفية الشعبية وصولا إلى الجذع الذي يعد أول جسر بدائي عبر عليه ابن الجنوب.

قطاع النخيل والتمور يشغل نسبة كبيرة من العمال العراقيين

تمتد مزارع النخيل على طول شريان الحياة في البصرة – شط العرب – ففيها أكبر غابة للنخيل ربما في العالم، فمن نقطة التقاء نهر دجلة بالفرات في منطقة القرنة حتى مصبه في الخليج العربي في الفاو.

ويُذكر في أحد التقارير أن العراق يحتوي على أكثر من 30 مليون نخلة، وحوالي نصف هذا العدد أو ربما يزيد قليلا يتربع على عرش محافظة البصرة. ومحافظة البصرة تشتهر بتميز وتنوع أصناف النخيل التي تجود زراعتها في أراضيها.

واختلفت أسماؤه وتعددت، فمنها "برحي – خضراوي – شكرة – خستاوي – أم الدهن – حلاوي – ساير- زهدي – فرسي – چبچاب – الغيباني (وهو ما يزرع دون تدخل الانسان) – أصابع العروس (ويسمى كذلك الحساوي) – قنطار – عويدي – خصاوي – مكتوم (وقد جُلب من محافظات الفرات الأوسط ونجحت زراعته في البصرة)- خصاب – ديري (عند نضوجه يكون القشر الخارجي يابساً)- دكل – ومن أجود أنواع الذكور نوع يستخدم في التلقيح يسمى الـ "الغنامي"، إلى آخره من الأسماء والمصنفات التي ربما تعد اليوم على عدد الأصابع أو أقل.

وقد تحولت هذه الشجرة إلى أسطورة، حيث نسج الكبار قصصا كثيرة حولها، منها أن الأطفال الذين كانوا يرفضون النوم يلجأ آباؤهم إلى تهديدهم بـ"الخضرة أم الليف" التي ستأتي إليهم إذا ما بقوا يقظين، فكانوا يسارعون إلى النوم خوفا منها، حتى عندما يكبرون يكتشفون أنها "مجرد نخلة" تعصف الريح بين سعفاتها فتشكل سمفونية جنوبية.

وينتشر في شط العرب العديد من "الجراديغ" وهي منازل تخزن فيها التمر إضافة إلى المكابس والمعاصر لاستخراج مادة الدبس التي كانت بحق عسل الجنوب.

ولا زالت أعداد من "الجراديغ" موجودة أطلالها إلى هذه اللحظة في شط العرب. وفي حديث مع أحد أبناء الفلاحين القدامى الساكن في قضاء شط العرب، قال أحمد محسن عن صناعة الدبس أو الروب وهو عصير التمر في ذلك الوقت : "يتم جلب التمر ويوضع على "بارية" (وهي حصيرة مصنوعة من القصب) موضوعة على بناء أشبه بالغرفة وتحت هذه "الباريات" حوض مبني من الأسمنت، وينتظر الهواء الرطب الذي يسميه أهل الجنوب "الشرجية" وخصوصا المسماة "عصارة الدبس" لأنها ذات رطوبة شديدة، فتنزل قطرات الدبس في الحوض ويسمى "دبس أبو الدمعة" لأنه شديد اللمعان والنقاط المتساقطة في الحوض أشبه بالدموع. فيا لروعة ذلك الزمان، أما الآن فنحن نستورده من الدول المجاورة التي كانت ذات يوم تستورد منا هذا الدبس".

ومن الأسباب الداعية إلى تقليل العدد هو حالات التجريف التي وصلت إلى مزارع النخيل والتي حُولت إلى مجمعات سكنية، أما السبب الرئيس فهو الكثرة السكانية والاتساع السكاني خصوصاً بعد 2003 وعودة المهجرين، فضلا عن رخص الأراضي الزراعية.

20