نخيل طالب مكي تبكي دمار العراق واقفة

في قاعة دائرة الفنون التشكيلية ببغداد، افتتح مؤخرا المعرض الشخصي الثاني للفنان طالب مكي، تحت عنوان “نخيل” الذي ضم 37 عملا زيتيا مختلف القياسات، وقد باشر العمل بها منذ 2010 حسب التواريخ المثبتة على اللوحات، وكانت ثيمة الاستلهام الرئيسية في هذه التجربة، تتمحور حول النخيل.
الخميس 2015/05/14
تجربة مكي حالة نادرة في الرسم والنحت العراقيين

اختزل التشكيلي العراقي طالب مكي في معرضه البغدادي الجديد جسد جذوع النخيل بأشكال هندسية متوازية وعمودية تتجه إلى الأعلى، وبألوان تعبيرية متناسقة، وكأنه يريد أن يرسم حياة هندسية جديدة، ليعبّر فيها عن مأساة العراقيين المتواصلة منذ عقد الثمانينات، حيث بداية لعنة الحروب العسكرية، وحرق ودمار النخيل العراقي عن بكرة أبيه، ولا تزال المعاناة مستمرة. لقد وظف الفنان طالب مكي، رمز النخيل للتعبير عن الألم العميق والدمار الكبير الذي لحق بالموروث الحضاري والبيئة والزراعة والإنسان، لكنه حاول أن يصوغ هذه المعاني المأساوية، بألوان الفرح والبهجة والسرور، صانعا التفاؤل بمسحة أمل جديدة… ولِمَ لا وهو الفنان الشفاف الذي طالما رسم البسمة على شفاه طفولتنا منذ أكثر من أربعة عقود من الزمن، من خلال رسوماته الرائعة، في “مجلتي” و”المزمار”.

تجربة الفنان طالب مكي، في الرسم والنحت، منذ أن بدأ مسيرته الفنية، لا تشبه أية تجربة تشكيلية عراقية أو عربية ولا حتى عالمية، تجربته لها ميزة خاصة، تمتلك روحية متفاعلة، لها جذور متأصلة في عمق حضارة وادي الرافدين، وكأن له مشيما خاصا، يتغذى منه لوحده، فعلا نقرأ في جميع أعماله، لغزا محيرا في كيفية إيحاء واستلهام وطرح أفكاره، وهو الفنان الذي حرم من نعمة النطق والسمع، ولكنه يمتلك حصافة ذهنية متقدة، وحب أزلي لرسالته الفنية المخضبة والمعفرة بتراب ورائحة زمان ومكان بلده العراق وحضاراته المتتالية.

ولد الفنان العراقي طالب مكي سنة 1936 في قضاء الشطرة بذي قار، وفي سنة 1952 دخل إلى معهد الفنون الجميلة قسم الرسم ليتتلمذ على يد الفنان فائق حسن، إلاّ أن ولع طالب مكي بالنحت جعله يتتلمذ على يد النحات الكبير جواد سليم، ويزامله حتى وفاته.

وكان طالب تلميذا وفنانا بارعا طوال مدة مسيرته مع جواد سليم، الذي قال عنه “إن طالب مكي هو الفنان الذي يمكن أن يفعل شيئا من بعدي”.

كما يتساءل الفنان الكبير محمد غني حكمت “لماذا لا تعطى للفنان طالب مكي الفرصة لتنفيذ أعمال كبيرة ويساهم في حركة النحت العراقي؟”. لقد كانت للفنان طالب مكي عشرات المشاركات المتميزة في المعارض الجماعية التي أقيمت داخل العراق وخارجه.

تجربة مكي لها ميزة خاصة، تمتلك روحية متفاعلة، لها جذور متأصلة في عمق حضارة وادي الرافدين

سنة 1965، أسس الفنان طالب مكي، مع مجموعة من زملائه الفنانين “جماعة المجددين” التي ضمت كلّا من نداء كاظم، وسالم الدباغ، وصالح الجميعي، وعامر العبيدي، وفايق حسين، وإبراهيم زاير، وسلمان عباس، الذين كان لهم نشاطهم الفني المتميز بالموضوعية، والفكرية المتجددة في طرح آرائهم وتعابيرهم الإنسانية.

بدأ الرسم للأطفال، سنة 1969، من خلال “مجلتي” و”المزمار” وكان أول المؤسسين للدار، ورئيسا للرسامين، وقد وضع اللبنات الأولى والجادة في عملية الرسم للأطفال، حيث رسم مئات الأعمال المتميزة، التي توزعت بين السيناريوهات، والأغلفة والكتب الثقافية التي أصدرتها دار ثقافة الأطفال.

فضلا عن التخطيطات المتواصلة لمجلة “ألف باء”، والمطبوعات الأخرى، وقد منح جائزة الرسم للأطفال عن رسمه كتابي “أبوبكر الرازي”، و”أشور بانيبال” بمسابقة الطفل التي أعلنتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم سنة 1986.

لقد تميزت أعمال فناننا طالب مكي، طوال مسيرته الإبداعية في جميع إنتاجاته التي قدمها بالنحت والرسم، بمفهوم فكري متجدد، مستلهما الرموز التاريخية من الفن السومري والأشوري، ومزاوجتها مع العناصر الفلكلورية الشعبية العراقية، إلاّ أن سيطرة وهيمنة فن النحت على طالب مكي، قد أنسحب كذلك جليا على لوحاته الزيتية، وتخطيطاته الورقية، حيث إبراز الكتل اللونية الحادة والقاسية في قوتها، التي تتميز غالبا بالشكل الهندسي الضخم، لتفرض سطوتها الكاملة على نعومة سطح القماشة ومفهومها التقني.

16