نداء إلى السوريين

الاثنين 2015/09/28

منذ البداية تأسست التجربة السياسية السورية المواكبة للثورة، أو للانتفاضة، أو للحراك الشعبي، المتمثلة في المجلس الوطني ثم في الائتلاف الوطني، على البناء من فوق أولاً، وفي الخارج ثانيا، وبترتيب من أطراف خارجية، ثالثا؛ وقد ساعد على ذلك غياب حياة سياسية أو حزبية في سوريا، والافتقاد إلى تجربة سابقة، وقمع النظام.

بيْد أن هذه التجربة، بما لها وما عليها، لم تنجح ولم ترض معظم السوريين، ولم تبد أنها تمثلهم، أو تلبي طموحاتهم، سيما أن الطبقة السياسية التي تصدرت المعارضة أغلقت الأبواب على ذاتها، أو على مكوناتها، وفوقه اعتبرت نفسها وصية على السوريين وقيادة لهم، ما جعلها بمثابة قيد أو عبء عليهم. علما أن ثمة المئات من الناشطين المجربين، وخريجي المعتقلات، والمثقفين الثوريين، ظلوا مقصيين خارج هذه التركيبة أو المعادلة، دون أن يحاول أحد استقطابهم أو استثمار طاقتهم، وخاصة أن معظمهم بات في الخارج أي في متناول اليد.

هكذا، ومع التقدير لكل الجهود الخيرة التي بُذلت في الائتلاف وخارجه، إلا أنه يجب قول ما ينبغي قوله في هذا الصدد، بمعزل عن الثقافة الكيدية، أو ثقافة التصيّد، أو ادعاء البدائل، فثمة للسوريين الكثير مما يفترض أن يشتغلوه، لاستنهاض أحوالهم، إذ لن يشتغل ذلك أحد عنهم، وعليهم أن يقلعوا شوكهم بأيديهم، فلن يقلعه لهم أحد غيرهم.

فقد بات من الجلي اليوم أن القضية السورية، أي مستقبل سوريا ومصير شعبها، خرج من أيدي السوريين، بعد أن باتت أغلبيتهم بمثابة محاصرين أو مشردين أو لاجئين، داخل البلد وخارجه، وبعد أن باتت القوى الدولية والإقليمية والعربية الفاعلة تتصارع فيما بينها، وترسم خرائط الصراع على سوريا، بحسب مصالحها، وبعد أن تبين عجز هيئات المعارضة ليس، فقط، إزاء المجتمع الدولي، وإزاء الجماعات العسكرية التي حولت المناطق المحررة إلى إقطاعايات لها، وإنما، أيضا، إزاء نفسها وإزاء شعبها، إذ لم تستطع تطوير أحوالها، ولا إيجاد الإطارات التي تمكنها من استيعاب واستثمار طاقات السوريين.

على ذلك، لم يعد من المجدي القعود وندب الحظ أو لوم هذه الدولة أو تلك، ولا الانشغال بمناكفة الائتلاف، أو الحط من مكانة فلان أو علان، أو إعلاء قيمته، على ما يشتغل أغلبية السوريين، فهذا يفاقم من حال التفكك، واستنزاف الطاقات، ويعوق محاولات صوغ إجماعات وطنية وهيئات جمعية. وبكلام آخر، فقد آن للسوريين أن يتحرروا من حال الإحباط وانعدام اليقين والغضب على كل شيء، وعلى أي أحد، والتحرر من مرض الشخصنة والروح السلبية وعدم الثقة، أي من النفسية المدمرة التي غرسها النظام فيهم طوال 45 عاما.

آن للسوريين أن يستعيدوا زمام المبادرة بأيديهم، كما يوم كسروا جدار الصمت والخوف بالصرخة التي خرجت من قلوبهم المسكونة بالتوق إلى الحرية “الشعب السوري ما بينذل”.

آن للسوريين أن ينسوا كل شيء: الائتلاف ومكوناته الهشّة، وبعض شخصياته مثار الجدل، وخلافاتهم الجانبية، وحساسياتهم أو حساباتهم الشخصية، فثمة هدف واحد لهم: تحرير البلد ووضع السوريين، على دروب الحرية والكرامة والمواطنة المتساوية، والديمقراطية، وهي الأهداف الأولية الجامعة، التي انطلقت من أجلها ثورتهم أو انتفاضتهم، أو حراكهم الشعبي، فسوريا تسع الجميع، والقضية السورية من الصعوبة والتعقيد بحيث تحتاج لزج طاقاتهم ومراكمة إمكانياتهم في هذا الاتجاه لا غير. وهذا بمثابة نداء إلى كل السوريين: انظروا بعد خمسة أعوام من الثورة، ليس لكم في تجمعاتكم في دول العالم هيئات تنظم أحوالكم وتستثمر طاقاتكم، حتى هيئات إعلامية تخاطب العالم لم تتوفر لكم، ولا حتى خطاب موحد، فكل يغني على ليلاه، وكل يريد سوريا المستقبل على هواه. أنتم تتحملون المسؤولية بوصول الوضع إلى هذا الدرك، ومسؤوليتكم بالتحرر من أشكال العمل التي أوصلتكم إلى هنا.

آن لكم القطع مع هذه الثقافة السلبية واستثمار طاقتكم بطريقة إيجابية في تنظيم أحوالكم وبناء كياناتكم دون ادعاء وصاية أو احتكار، فسوريا تسع الجميع وهي لا تكون إلا إذا كانت لكل السوريين أحرارا ومتساوين.

الأكثر جدوى الآن، والأكثر إلحاحا، أن تبادروا في تجمعاتكم لإنشاء هيئات، ولجان، وتنسيقيات، في كل مدينة وبلد، تنظم أحوالكم وتعبر عنكم وتمثلكم، وتتأسس على الوطنية والفاعلية والصدقية الأخلاقية، لا على الحصص السياسية والمحسوبيات الشخصية، فهذه نقطة البداية، لأخذ المبادرة وفرض أنفسكم، علما أنه لا تنقصكم كفاءات ولا الأشخاص المؤهلون الذين يتمتّعون بالمصداقية النضالية والنزاهة الأخلاقية. هذه نقطة بداية لا بد منها، وكلما كان أبكر كان أفضل، من أجل خلاصكم وخلاص البلد.

كاتب سياسي فلسطيني

8