نداء الحب

الخميس 2013/09/12

طالما كانت هناك قصيدة أو مقطع موسيقي يأتي ليخرجني مما أنا فيه.. مكانا وحالا ووقتا.

وذلك حدث معي بين حين وآخر، أكاد أستحضر في ذاكرتي تلك اللحظات النادرة في حياتي منذ البداية، واليوم وأنا أفيق بصداع من آلام الأمس أجد ما يهبني العالم دوما في اللحظة الحاسمة.. ترنيمة بصوت مارسيل خليفة، "يا مريم" يغني فيها "يا مريم البكر فقت الشمس والقمرا/ وكل نجم بأفلاك السماء سرى" ثم يحدث بعد سماعها ما يحدث؛ لا حزن، لا همّ ولا قيد.. هناك طرب فقط، طرب ليس بمعناه الموسيقي الذي يستخدم في الثقافة العربية بل بمعناه الروحي الذي عرفته قبل هذا الاستخدام، فالطرب في التراث الصوفي والشعري الفارسي له دلالة روحية أكثر من الدلالة الموسيقية، وهو عبارة عن حالة هي الوجد والسعادة في الروح وطلاقة تعتري الذات إثر إدراك مرحلة من سلوك المحبّ نحو الحبيب.

الطرب لدى المتصوفة نشوة روحية ربما تشبه ما يمنحه النبيذ للرأس والجسد، ثم تأتي تلك الانطلاقة. وفي الترنيمة التي يعيد غناءها مارسيل خليفة، هناك إله من لحم ودم يدعو الجميع إلى الحب.. ليس الناس فقط بل الكائنات جميعا.

وسط هذا الدمار والمحنة والعذاب الذي يفرد عباءته السوداء على العالم، يبدأ مارسيل ترنيمته بتراتيل عاشق ينادي حبيبته (يا امرأتي، يا حبيبتي، لدينا ثروة دهرية من الحب/ فلنتصدق على فقراء الأرض/ صدق الحب العظيم) هو العاشق الذي يتوحد منذ البداية مع الطبيعة كلها بما فيها من أناس ومدن وطرق وجبال ليصيح من ذوات الأشياء ومن صلب حقيقتها صيحة الحب وحاجتها/حاجة "فقراء الأرض" إليه، ليكون الصوت الوحيد الذي أسمعه هذه الأيام يدعو إلى الحب.

وكأنه يناديني باسمي كما ينادي كل من يسمعه. فكل من يسمعه هو مريم والصوت الذي ينادي هو صوت من ظل غامضا منذ البداية.. أهو الرب أم ملاك أم هواء.. صوت ظل صامتا طيلة الدهر لتبقى مريم حزينة.. هو يتحدث الآن مرفقا صوته بالنغمات المدهشة لينادي إلى الحب وحسب، إلى "الحب العظيم". كأنه السرّ الذي كان يعرفه الجميع لكنهم يتجاهلونه، وهو يبوح به اليوم ويريده أن يمتزج بالقلوب كما الكيمياء ليحول ما فيها من حقد وحزن وغضب إلى محض صفاء.

هكذا وبما لديه من تاريخ في الدعوة إلى الحب والحرية وطلاقة الروح، يتربع مارسيل خليفة ثانية على عرش العاشق الذي تتحرك أنامله وينطلق صوته ليعلن عن حبه للإنسان، ولحقيقته التي لا يريد ولا نريد لها أن تتلوّث، وبهذه التراتيل التي تلغي ما في ذاكرتي من تراتيل لم تترك أي وقع في روحي ولم تفتح لي أية نافذة وسط ما أشاهده وأسمعه وألمسه من خوف وقلق وأسى، تتسرب تلك السعادة إلى روحي بتهاد، كما أظنه كان يفعل ذاك طرب المتصوفين بهم، وهل لي الآن أن أجاري مؤنسي القديم جلال الدين الرومي حين قال: "أنا الطرب والطرب هو أنا"؟!

14