نداء بدوان فنانة عاشت أربعمئة يوم من العزلة في غرفة

الخميس 2014/12/11
تبحث نداء بدوان عن مكان آمن يتيح لها المجال والمساحة لممارسة الفن

احتجاجا على الحرب المقيمة في شوارع مدينة غزة، ورفضا لما يشهده القطاع من تجاذب ومن حصار قاس، ومناصرة للحرية والتحرر والإنسانية والمجتمع المنهك من القتل والموت والدمار، قرّرت نداء بدوان أن تدخل عزلتها، عزلة في غرفة صغيرة، وتواصل مشروعها الفني من هناك.

نداء بدوان هي فنانة تشكيلية فلسطينية، من مواليد سنة 1987 مقيمة في غزة، شاركت في عدة معارض مثل معرض “هذا أيضا غزة”، كما شاركت في عدد من الأفلام السينمائية مثل “أرى ما لا أريد”، و”القدرة والعجز”.

كما أن نداء نحاتة أيضا، لكن تبقى تجربتها اللافتة في الفن الفوتوغرافي، الذي انتهجته من وسط عزلتها صوتا لها، يصعد من الصورة كاسرا الحصار والحرب اللذين يخنقان موطنها. عن تجربتها الفريدة في الفن من داخل العزلة التي مازالت مستمرّة إلى الآن، كان لـ”العرب” هذا الحوار مع الفنانة من داخل عزلتها.


المكان الآمن


قامت الفنانة نداء بدوان بخطوة ربما يفهمها البعض احتجاجا ذاتيا، أو صرخة فنان مكتومة لإيقاظ الإنسانية تجاه الظلم والحيف والدمار الذي توجهه إلى نفسها، فانعزلت عن العالم الخارجي لتظل مربوطة إليه فقط من خلال الفن، تصدر إليه أعمالها ورؤاها من خلف جدران غرفتها التي لم تبرحها.

عن دوافع القيام بخطوة الانعزال هذه، والمحافظة على ممارسة فنها من حلكة العزلة القاسية، تقول بدوان: “المساحة الاجتماعية الضيقة جدا والأحداث الصعبة التي تعيشها غزة، جعلتني أبحث عن مكان آخر، قد أفترض أنه آمن، يتيح لي المجال والمساحة لممارسة الفن، وهذا المكان كان في الحقيقة الغرفة الصغيرة التي لا تتجاوز 3 أمتار مربعة، ولكن الحرب الأخيرة على قطاع غزة أدخلت إليّ الشك في كل ما حولي، حتى في أن تكون غرفتي مكانا آمنا! فهي بدورها كانت مستهدفة من القصف العشوائي الذي نثر دماره في كل زاوية، إلى أن انتهت الحرب، ونجت غرفتي الصغيرة بسلام”.

التكنولوجيا ووسائل التواصل الحديثة مكنت نداء بدوان من إيصال رسائلها الفنية إلى الجمهور بكافة فئاته

عن تفاصيل مشروعها الفني، وعن رؤاها للفن الفوتوغرافي وللفن كرؤية للعالم، تجيب نداء: “إلى جانب أني أرسم وأنحت، وجدت أن التصوير الفوتوغرافي يمكنه أن يعطيني المساحة لجعل ما أنتجه أكثر من مجرّد صورة، فهي من وجهة نظري وطريقة صنعي لها تجعلني أنحت، أرسم، ألوّن الكادر بالطريقة التي أراها تمثلني، وإخراج الصورة على أنها عمل فني وليست مجرّد قالب صامت”.

تواصل: “نحن نرى الذكريات على هيئة صور، الأحلام كذلك، وتخيلاتنا أيضا، وأغلب ما يمكن أن يحرّك في داخلنا المشاعر هي الصورة، وهذا ما يملي عليّ شخصيا كفنانة، المسؤولية والحرص على إدخال أيّ عنصر في الكادر أو حذفه منه”.

داخل مدار عزلتها في غرفتها الضيقة ذلك العالم الصغير والبسيط الذي احتضن الفنانة وفعلها الفني، كانت نداء متواصلة مع العالم بشكل عميق من خلال وسائل التواصل الحديثة، فهي تعتقد أن التكنولوجيا ووسائل التواصل لها العامل المساعد الأكبر في إيصال الرسائل الفنية إلى الجمهور بكافة فئاته، وتعتبر نفسها محظوظة لوجودها في زمن التكنولوجيا.


400 يوم من العزلة


التكنولوجيا ووسائل التواصل الحديثة كانت نافذة نداء التي تطل منها على العالم ويطل هو منها عليها في عزلتها، عزلتها التي جاءت بدرجة أولى طلبا للأمن والسكينة، لتأدية العمل الفني بإخلاص، بعيدا عن ضوضاء العالم وعن الحرب والفوضى اللذين يعششان في قطاع غزة.

وستفك الفنانة عزلتها لأول مرة يوم افتتاح المعرض حيث ستكون حاضرة في هذه التظاهرة

لذلك ليس لأحد أن ينكر دور التكنولوجيا في عبور الفنانة حاجز الجدران والحرب والخوف، حاجز المكان الضيق الذي اتسع فقط بالأمل والحلم من خلال الصورة بإنسان أفضل، إنسان يتصالح مع وجهه ومع ذاته ومع أحلامه، إنسان ضد الحرب وفوضى الدم وأظفار الوحشية والاحتلال والقهر، لذلك فإن غالب صورها الفوتوغرافية كانت تصوّر فيها نفسها وغرفتها التي حولتها إلى عالم متغيّر، رغم مسحة ألوانه الباهتة التي تطغى على الصور.

تقول بدوان: “عزلتي استمرت سنة وعشرين يوما الآن، لم أغادرها، ولن أغادرها إلاّ عندما أجد مكانا أوسع من غرفتي يمكنه أن يعطيني مساحة للتعبير، دون قيود أو حصار”.

يتمّ الآن التحضير لمعرض الصور من خلال المركز الفرنسي في القدس وذلك في 15 يناير 2015، وستفك الفنانة عزلتها لأول مرة يوم افتتاح المعرض حيث ستكون حاضرة في هذه التظاهرة. نداء بدوان من داخل عزلتها صوّرت نفسها، جسدها، غرفتها وأحلامها البسيطة بوطن أفضل وإنسان أفضل، كل هذا من خلال عناصر بسيطة جدّا نجحت من خلالها في أن تلفت نظر العالم إليها.

16