نداء تونس والنهضة يحكمان تونس بلا مؤتمرات ولا برامج

الثلاثاء 2015/03/10

أرادت تونس أن تكون قاطرة الريادة لنجاح تجربة ما يسمّى الربيع العربي أو أريد لها ذلك. لا شك طبعا في تصميم الشعب التونسي على الحرية وفي عزمه على نحت طريق صخري نيّر في التاريخ المعاصر ولكنّ العراقيل والإكراهات كثيرة، وأكبر من احتماله. تونس تعيش فترة صعبة من تاريخها نتيجة ما تلقاه نخبها الحاكمة من صعوبات في إدارة مقاليد الحكم لا سيما وهي محاطة بمشاكل سياسية معقدة وأخرى جيوسياسية أشد تعقيدا. نبدأ بتفكيك السياسية لنعبر منها إلى الجيوسياسية.

المشكلة السياسية تتمثل أساسا في الحزبين الكبيرين اللذين يتقاسمان الحكم؛ نداء تونس الليبرالي والنهضة الإخوانية. فهما في الأصل حركتان لم تبلغا الحزبية بعد، إذ أنّ كلتيهما دخلت الانتخابات بلا مؤتمر وبلا لوائح ملزمة تقتضي المحاسبة.

وقبل ذلك وبعده فإن كلتيهما متعاديتان وإن أظهرتا الودّ، ومتربّصة إحداهما بالأخرى وإن أبانتا عن التضامن والتوادد.

حركة نداء تونس خاضت انتخابات 2014 التشريعية والرئاسية قبل أن تعقد مؤتمرها التأسيسي الأول وقبل أن تصدر لوائحها وقبل أن تنتخب مؤسساتها. وهي تعاني إلى اليوم من تعالي هيئتها التأسيسية التي وضعها الباجي قايد السبسي وتركها يتيمة بعد أن ذهب إلى قرطاج. وهي تعجز إلى اليوم عن انتخاب مكتب سياسي يسيّرها، فلم يعرف العالم المتمدن الديمقراطي وضعا شبيها بالوضع التونسي الذي يحكمه حزب منتخب ولكن بلا مؤسسات قرار. لقد انفرط عقد قيادة نداء تونس بين الرئاسة وبين المهام الحكومية.

بينما حركة النهضة أقامت استفتاء لا لعقد مؤتمرها العاشر، بل لتأجيله بما يسمح لقياداتها التي خاضت تجربتي الترويكا المحافظة على مواقعها لا سيما تركيبة مكتبها التنفيذي ومجلس شوراها ورئاستها ومكتبها الإعلامي.

قد يسأل سائل؛ وأين المشكلة؟ المشكلة تقع في أنّ الحركتين دخلتا الانتخابات بشعارات شعبوية قائمة على الاستقطاب الثنائي لا على برامج ومشاريع قابلة للتنفيذ. وقد يتابع نفس السائل؛ وما الحجة على ذلك؟ الحجة هي أن رئيس الحكومة لم يخض الانتخابات أصلا، وهو لا ينتمي تنظيميا لا إلى حركة النداء ولا إلى النهضة اللتين كانتا متعاديتين قبل الانتخابات وصارتا متحالفتين بعدها، أوّلا، وأن رئيس الحكومة نفسه طلب من أعضاء حكومته أن يقدموا له خمس أولويات للوزارات وكتابات الدولة التي يرأسونها بعد عشرة أيام من تسلمهم مهامهم، بما يعني أنه لا يملك خيارات ولا برامج وإنما ينتظرها ليبني عليها ما يمكن أن يكون.

وهذا ما يفسر رحلات التجوال والتفقد اللانهائية التي يؤديها رئيس الحكومة ووزراؤه إلى الجهات، بما قد يوهم بأنهم على طريق تحقيق مشاغل التونسيين والاستجابة إليها.

إن السبسي، وبعد سنتين من تأسيسه حركة نداء تونس، يجد نفسه يسيطر على كل مقاليد الحكم في تونس. ربما لم يكن يحلم بحصد كل السلطات، ولكن الأكيد أنه لم يكن مستعدا لقيادة الشعب التونسي في مختلف مؤسساته الدستورية الثلاث. ولذلك اختار السبسي وهيئته التأسيسية التحالف مع غريمه السياسي والمجتمعي نقصد حركة النهضة، وكل منهما يقول لنفسه لا بد من هذه المرارة لتجاوز المحنة؛ محنة نداء تونس أنه بلا مؤسسات ولا مؤتمر ولا لوائح، ومحنة النهضة هي الفشل القاصم في تجربة حكومتيْ الترويكا.

هذا التحليل يدفعنا إلى القول إن كل واحدة من الحركتين كانت تتكئ على الأخرى لتجاوز محنتها لا إلى خدمة الشعب التونسي وتخليصه من مشاكله المزمنة. والدليل على ذلك أن المديونية تتفاقم والمسألة الاجتماعية تتعفّن والبطالة تتأزم والإضرابات الاحتجاجية والمطلبية تتواتر وضربات الإرهاب التكفيري لم تهدأ ومافيات التهريب لم تهادن وعمليات تجنيد الإرهابيين لم تتوقف. فهناك مشاهد مرعبة تتكرّر لحقوق ضائعة وأصحابها يناضلون من أجلها بإتلاف أجسادهم من أجل صون كرامتهم (محمد الفهري شلبي الرئيس المدير العام لمؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية الأسبق، وأصحاب الشهائد العليا المعطلون عن العمل في قابس الذين يخوضون إضرابا وحشيا عن الطعام).

الأكيد أن التونسيين اليوم حزانى لأنهم انتخبوا نداء تونس الليبرالي الذي وعدهم بالرخاء بعد أن بان لهم إفلاس شعارات الإسلام السياسي وزيفها. لقد هربوا من مطرقة الأخونة والأسلفة ليجدوا أنفسهم تحت سندان تحالف النداء مع النهضة. فلم الانتخابات إذن؟ الشعب التونسي اختار، بالشروط التي أتاحها له وعيه التاريخي الذي صنعه الإعلام الميركانتيلي وديماغوجيا الاستقطاب، أن يستبدل سواد إخوان النهضة وحلفائهم، بليبرالية نداء تونس ومن معه. ولكنّه وجد الإخوان أمامه يبتسمون ويأخذون نصيبهم من الحكم ويفلتون من المحاسبة.

هناك جملة من الدروس لا بد من استخلاصها من التجربة التونسية. أوّل هذه الدروس هو الدرس السياسي المتعلق بانتخابات 2014 التشريعية والرئاسية. فما يحدث داخل حزب نداء تونس لم يعد خافيا على التونسيين، بل صار مدعاة لكثير من النكد والأرق للشعب التونسي الطيب. فالندائيون صدّروا مشاكلهم للإعلام دون وعي بمسؤولياتهم التاريخية التي شرّفهم فيها الشعب التونسي حين منحهم كل مقاليد حكمه في الجمهورية الثانية.

ما تعيشه حركة نداء تونس من استعصاء وعسر يواجه إكراها وخطرين؛ أما الإكراه فيتمثل في عدم استعداد القوى التقدمية الرفيقة للنداء لإسعافه في هذه المرحلة باعتبار أنها تفاجأت كباقي النخب السياسية التونسية بهشاشته التنظيمية المؤسساتية، وأما الخطران فيتمثل الأوّل في توثّب حركة النهضة وجاهزيتها لقنص فرصة كبوة النداء، بينما الخطر الثاني مفاده حنق المنصف المرزوقي و”حراك شعب المواطنين” ليقول أنا هنا جاهز للعودة إلى قصر قرطاج بأي ثمن، وأزمة المعابر الجنوبية الأخيرة خير دليل على ذلك.

هذه المشكلة السياسية الخطيرة التي يعاني منها التحالف الثنائي الحاكم نداء/ نهضة تزيد من نكد التونسيين، باعتبار أنه تحالف ضمن للحزبين تآزرا في الحكم لا سيما في مستوى الأغلبية البرلمانية، ولكنه كشف عن وهن في طمأنة الشعب التونسي على حاضره ومستقبله بسبب التهديد الجدي القادم خاصة من الحدود البرية لتونس مع الجارة ليبيا.

فالوضع الليبي مرتبك ومفتوح على كل الاحتمالات، والتآزر الحكومي الذي عوّلت عليه حركة نداء تونس بإشراك النهضة في الحكم لم يسدّ عليها باب الجارة ليبيا ولا باب الجنوب، لا سيما وأن الحدود التونسية الليبية مأهولة بنسبة كبيرة من الميليشيات الإخوانية المسمّاة “فجر ليبيا” مع وجود ثغور صغيرة قريبة من تونس لداعش ولكنها مقلقة.

الوضع الليبي الإشكالي المحافظ القبلي “المدعشن” و“المتأخون” كشف ضعف الدبلوماسية التونسية التي اكتفت في تعاطيها مع مشكلة الحكومتيْن والبرلمانيْن في ليبيا بالانصياع المريب لتخطيط أذرع قصيرة لحليفها النهضوي، لا سيما حزب المؤتمر وحزب البناء اللذين دفعا الطيب البكوش وزير الخارجية التونسي إلى ما يشبه الاعتراف بحكومتين في ليبيا. والغاية هي استرضاء الخصوم الإخوان المتربّصين على الحدود التونسية والتعاطي معهم بما يشبه الاعتراف الرسمي. والنتيجة الحاصلة أن تونس تعترف لأوّل مرة في تاريخها بشرعية ميليشيا مسلحة. والبركة في الإخوان.


كاتب وباحث سياسي من تونس

8