نداء تونس يخيب الآمال: من التحالف مع الإسلاميين إلى التشظي

مافتئت تشعبات الأزمة الداخلية العاصفة التي يشهدها حزب نداء تونس تتسع، رغم كل محاولات الإطفاء ورأب الصدع التي قامت بها بعض القيادات الندائية وحتى تلك التي انخرطت من خارج العائلة في محاولة إنقاذ تؤكد التطورات الأخيرة أنها أمست صعبة إن لم تكن مستحيلة، ما يرجح إمكانية الانقسام إلى شطرين وفقدان الحزب بالتالي للأغلبية البرلمانية لصالح خصمه حركة النهضة الإسلامية.
الأربعاء 2015/11/04
خلافات الندائيين تفتح طريق الأغلبية البرلمانية من جديد أمام النهضة

تونس - كشفت أسابيع من احتدام الخلافات بين قيادات حزب نداء تونس، الذي يقود الائتلاف الحاكم في تونس، أن الحزب، الذي راهن عليه أغلب التونسيين لانتشال بلادهم من تداعيات حكومتي الترويكا وأزمات ما بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي، على وشك التشتت والانقسام إلى حزبين بل وأضحى مهددا بفقدان الأغلبية البرلمانية لصالح حركة النهضة الإسلامية.

حالة التشظي التي يعيشها اليوم حزب نداء تونس أمر توقّعه الخبراء والمراقبون التونسيون، وذلك بسبب تركيبة الحزب والخلاف بين جناحه الدستوري، نسبة إلى الحزب الاشتراكي الدستوري الذي أسسه الزعيم الحبيب بورقيبة في الثلاثينات من القرن الماضي، وجناحه اليساري النقابي. ومن الأسباب الرئيسية للخلاف الصراع على قيادة الحزب وهويّته. ويقدم نداء تونس نفسه على أنه حزب حداثي قادر على مواجهة المشكلات الاقتصادية المعقدة وحماية قيم الحداثة في تونس.

ويقول سياسيون إن تداعيات أزمة نداء تونس على الحكومة وعلى المشهد السياسي بصفة عامة تمثّل خطرا على التجربة الديمقراطية الناشئة، باعتبار أن الحزب يعد القوة الانتخابية الأولى التي راهن عليها التونسيون لمباشرة إصلاحات كبرى في تواصل مع المشروع الإصلاحي والحداثي الذي قادته دولة الاستقلال خلال الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي.

من الخلاف إلى التحالف

أسس الرئيس التونسي الحالي الباجي قائد السبسي، في 2012 حركة نداء تونس سعيا لإحداث توازن سياسي مع حركة النهضة، التي كانت القوة السياسية الأكبر في تلك الفترة. ونجح نداء تونس في انتخابات 2014 في اقتناص 86 مقعدا في البرلمان متقدما بفارق طفيف على النهضة. لكن، على عكس الانتظارات كوّن نداء تونس حكومة ائتلافية تضم الإسلاميين، ومن هنا بدأت خيبة الأمل الشعبية من نداء تونس تتشكّل.

ويضم الحزب مزيجا من الشخصيات اليسارية والمستقلة ومسؤولين من النظام السابق تجمعوا لمواجهة الإسلام السياسي بعد فوز النهضة في أول انتخابات بعد 2011. لكن بعد استقالة مؤسس الحزب الباجي قائد السبسي، إثر انتخابه رئيسا للبلاد، طفت على السطح خلافات حادة بين قيادات الحركة حول إعادة تنظيم الهياكل وحول بعض المسؤوليات الأولى وأيضا حول طموحات حافظ قائد السبسي، نجل الرئيس، لتولي زعامة الحزب وفقا لمعارضيه.

تداعيات أزمة نداء تونس على الحكومة وعلى المشهد السياسي بصفة عامة تمثّل خطرا على التجربة الديمقراطية الناشئة

وظلّت الخلافات صامتة إلى أن تحولت يوم السبت الماضي إلى شجار وتبادل للعنف بالعصي والهراوات في اجتماع للحزب بمدينة الحمامات (80 كم جنوب العاصمة تونس)، بين معسكر موال لحافظ قائد السبسي، الذي يسعى للعب دور أكبر في الحزب من خلال السعي لإعادة هيكلته، ومعسكر ثان يتزعمه محسن مرزوق، الأمين العام للحزب، الذي قال إن تطور الخلاف إلى هذا العنف أمر مؤسف ورسالة سلبية للداخل والخارج وانحراف عن الديمقراطية.

وانتقد مرزوق ما أسماه “رغبة البعض في الهيمنة على الحزب بالقوة”، في إشارة لحافظ قائد السبسي نجل الرئيس ورضا بلحاج مدير ديوان الرئيس، متوقّعا انقساما في نداء تونس، و”ما حصل أكّد أن استمرارية التوافق داخل الحزب الواحد دون انقسام أصبحت أمرا صعبا جدا”.

أيّدت توقّعات مرزوق، بشرى بلحاج حميدة القيادية في نداء تونس والقريبة من وسائل الإعلام، احتمال الانقسام، مشيرة إلى “احتمال كبير لتأسيس حزب جديد بعد تعطل لغة الحوار”؛ هذا إلى جانب تهديد عدد من نواب البرلمان بالاستقالة من الحزب، وربما من الكتلة النيابة المكونة له في البرلمان؛ وهذا السيناريو، يعدّ الأمر الأخطر في هذه الأزمة لأنه سيحول كتلة حركة النهضة إلى كتلة الأغلبية في مجلس نواب الشعب.

رغم أن نداء تونس تحول إلى قوة رئيسية في البلاد بعد قيادته لاحتجاجات شعبية في صيف 2013 انتهت بتنحي النهضة عن الحكم وتكوين حكومة غير حزبية قادت البلاد إلى انتخابات في 2014. ورغم ما حظي به الانتقال السلس للسلطة وصياغة دستور حداثي بإشادة غربية واسعة نالت بفضلها أربع منظمات من المجتمع المدني بتونس جائزة نوبل للسلام الشهر الماضي، إلا أن سنة واحدة من الحكم كانت كفيلة بتفجير الخلافات داخل هذا الحزب الذي سقط في أتون الخلافات الداخلية وصراع المواقع وأصبح يحتاج لمعجزة لتفادي الانفجار.

ويقول مراقبون إن هذا الوضع يمثّل فرصة مناسبة لحركة النهضة لتستعيد زمام الأمر، فمن شأن انقسام حزب نداء تونس أن يفقده المركز الأول، وقد يمنح غريمه/حليفه الإسلامي مزيدا من النفوذ في البرلمان وربما في الحكومة أيضا. وقد وخسرت النهضة نفوذها لصالح حزب نداء تونس بعد انتخابات 2014 وقبلت أن تكون ممثلة في الائتلاف الحكومي بوزير واحد رغم أنها القوة السياسية الثانية. لكن، على ضوء أزمة نداء تونس تبدو حركة النهضة أمام فرصة مواتية لأن تعود للعب دور أكبر وتثأر لخسارتها.

عبادة الكافي: النهضة قد تنقض على الأغلبية في البرلمان بسبب خلافات نداء تونس

الإسلاميون أكبر مستفيد

يرى عبادة الكافي، القيادي بنداء تونس، أن حركة النهضة قد تنقض على الأغلبية النيابية في البرلمان مستفيدة من الانقسامات التي تعصف بنداء تونس. وقال في تصريحات لصحيفة محلية إن “الانقسام يعني ألا يكون النداء حزب الأغلبية في البرلمان بل حركة النهضة هي حزب الأغلبية… الكتلة النيابية انقسمت واليوم هي على وشك انقسام عضوي سيفرز نداء1 ونداء2”.

وذهب منذر بلحاج علي، القيادي في حزب نداء تونس، إلى حدّ اتهام حركة النهضة بالعمل، في الكواليس، على تأجيج الانقسام والمشاكل صلب النداء.

ورغم نفي الحركة لهذه الاتهامات ومحاولة أعضائها النأي بأنفسهم عما يجري داخل نداء تونس، ولأن سيناريو استقالة الكتلة النيابية لحزب نداء تونس، أمر مستعبد وفق ما أكّده ذلك النائب خالد شوكات، يشير بعض المتابعين إلى أن النهضة تعمل على استمالة شق نجل قائد السبسي إلى صفوفها مع وعد باقتسام السلطة بعد العودة إلى مواقع القرار وتصدر المشهد السياسي. وهناك من يزعم أن الحركة باشرت الاستعدادات لتشكيل حكومتها المنتظرة حتى أنها طرحت أسماء معينة لرئاسة الحكومة المقبلة في حال تم انقسام كتلة النداء في البرلمان وبالتالي عودة الإسلاميين إلى المسك بالأغلبية داخل مجلس الشعب.

ويعتبر تشريك حركة النهضة في الحكم من بين أسباب المشاكل داخل هذا الحزب مع وجود شق يرغب في عدم الدخول في أي نوع من الشراكة السياسية مع حركة النهضة والتوجه نحو مفاوضات مع الجبهة الشعبية وبقية التيارات اليسارية والوطنية، وشق آخر يرى أن الحزب بمقدوره تسيير الحكومة بمفرده حتى دون الحاجة إلى أطراف سياسية أخرى، فيما يتفق الشق الآخر مع إدراج حركة النهضة في الحكم تحت ذريعة إخراجها من خانة المعارضة.

ويحمّل الخبراء مسؤولية تفجير الخلافات الأخيرة داخل حزب نداء تونس إلى كبار قياديي الحزب الذين لم يبحثوا، عن طواعية أو دون ذلك، عن حلول عاجلة في مراحل سابقة. كما أن لعبة المناصب والانفراد برئاسة الحزب عصفت في نهاية المطاف بأوصاله، في خطوة بدا فيها الحزب الذي انتخبه التونسيون بهدف التصدي لأسلمة البلاد، قد نكث وعوده لصالح أهداف ومصالح ضيقة.

وفي ظل تواصل طرح فرضية انشقاق عدد من نواب الكتلة البرلمانية لنداء تونس بقوة، أمام التصعيد الحاصل بين طرفي النزاع، لا سيما مع استمرار رفض شق محسن مرزوق الاعتراف بشرعية الهيئة التأسيسية التي عقدت اجتماعا، في الأيام الماضية، و بمقررات لجنة “تواصل” المنبثقة عنه، واستمرار تعنت الشق الثاني الذي يقوده حافظ قائد السبسي في رفضه لشرعية المكتبين التنفيذي والسياسي للحزب، يتطلع المتابعون إلى الاجتماع الذي سينعقد اليوم، والذي يقول المراقبون إنه سيكون مصيريا للحزب وللبلاد؛ فيما يدعو أنصار الحزب من المحايدين إلى ضرورة التسريع بعقد مؤتمره ووضع خارطة طريق واضحة المعالم وموحدة الرؤى والمواقف بين مختلف القيادات والمشارب “الندائية” وبين صفوف قواعده لتجنب مصير مجهول العواقب للحزب وللمشهد السياسي العام للبلاد.

6