نداء عادل: القصيدة بيت أبنيه لعله يقيني غربتي

أغلبية المترجمين العرب يترجمون دون الالتفات إلى روح النص وفكرة كاتبه وهو ما يبعد القارئ عن المحتوى الحقيقي.
الخميس 2021/05/27
أتوق إلى أن تضيء الكلمة عتمة الإنسان التائه

التنقل من مكان إلى آخر والهجرة المتكررة بين الأماكن واللغات، رغم ما فيها من ألم انسلاخ وغياب المُستقر، فإنها تمنح المبدع ثراء لا مثيل له وتعطيه انفتاحا كبيرا في رؤاه التي تصبح تتغذى من أكثر من رافد ثقافي وجغرافي ولغوي وجمالي وفكري واجتماعي وغيرها من الروافد. هكذا نجد الشاعرة العراقية نداء عادل التي كان لـ”العرب” هذا الحوار معها.

تتمتع الشاعرة العراقية نداء عادل بفرادة خاصة في تجربتها الشعرية والعملية والإنسانية أيضا، فهي من مواليد لينينغراد في1981، عراقية الأب عاشت طفولتها في دمشق، وقضت شبابها في هولندا، وفيها تخرجت من كلية القانون عام 2003، وعادت إلى وطنها بحثا عن حلم الأب القديم وإسدال الستار على فصل الغربة، إلا أنها لم تتمكن من تحقيق ذلك.

التنقل من بلد إلى آخر لم يتوقف مع الشاعرة، حيث عادت إلى هولندا واستكملت دراسة الماجستير والدكتوراه متخصصة في القانون الجنائي الدولي. عملت في مجال حقوق الإنسان، والاستشارات الدولية.  ومن ثم انتقلت للعيش في مصر عام 2008.

هذه المسيرة تجلّت على رؤيتها للشعر وللعالم، وقد توضح ذلك في أعمالها  الشعرية “ابنة الوجع وطقوس القهر” و”حكايات لجبين كاترين” و”تراتيل أندلسية” ـ الصادر أخيرا إلكترونيا عن بيت النص- كما يبدو جليا في اختياراتها لترجماتها حيث ترجمت سلسلة علم الاجتماع (3 كتب) مبادئ الفلسفة لديكارت، هكذا تكلم زارادشت عن الألمانية وتعكف حاليا على ترجمة أعمال دستويفسكي.

هجرات متكررة

 
 
 

تستهل نداء عادل حديثها لـ”العرب” قائلة “علينا أولاً أن نتفق أنّني مجرد عابرة سبيل في هذه الحياة، لا ترجو سوى أن تترك أثرًا على وجه السماء. أثر من نور يضيء عتمة الإنسان التي باتت تتسع وتزداد مثل النار في الهشيم خلال عصرنا الراهن”.

وتضيف “نشأت وأنا أؤمن بعبارة أنَّ ‘الإنسان هو أثمن رأس مال’، ومن هنا كان تكويني مختلفًا، لاسيما مع تعدد الثقافات التي عايشتها، أنا المولودة في الغربة، في مدينة لينينغراد آنذاك، لم أعرف للوطن طعمًا سوى دموع أبي العراقي وابتهالاته. أبي، بداية الرحلة ومقصدها، وكل الطريق. هو الذي صقل تكويني، على الرغم من موته المبكر، كنت أضعه فوق كل حساباتي حينما أكون في مفترق طرق، كالحدث العظيم الذي شهدته مصر في العام 2011 وكان لي شرف المشاركة فيه”.

وتستطرد “أذكر وأنا في ميدان التحرير، أيام ثورة الـ25 من يناير العظيمة، أنني كنت محط أنظار الكثيرين، للعديد من الأسباب لعل أبرزها جنسيتي الهولندية. وذات مساء وأنا عائدة إلى الميدان بعد جولة قصيرة في الشوارع الجانبية، سألني الضابط المسؤول عن مدخل الميدان من شارع طلعت حرب عن سبب وجودي في ميدان التحرير، بعدما تعرف على جنسيتي وعرف أصلي، يومها لم أجد ما أقول له سوى عبارة واحدة: نداء نشأت على أنّ الإنسان هو أثمن رأس مال، وحين يقوم الشعب المصري مطالبًا بحقوقه من العيش والحرية والعدالة الاجتماعية فلا بد أن أكون من أوائل الداعمين له، لأنّه يطالب بحقوقه الأساسية، الحقوق التي سلبت على مدار أعوام، وغابت في دوامة الاقتصاد العالمي”.

وتتابع “يومها صدمه ردي؛ ولكنه ابتسم وشكرني لدعمي الشباب المصري في ثورته الصادقة. إن ميدان التحرير، تلك المساحة، لا ليست المساحة، بل الإنسان الذي كان يشغل تلك البقعة من الأرض هو الذي منح نداء شعورًا بالوطن، لهؤلاء الشباب حقًا انتميت، بإنسانيتهم وأخلاقهم وتكاتفهم وصبرهم، وحتى مطالبهم المشروعة”.

وتؤكد عادل أن الوطن حكاية ظلّت غائبة في حياتها منذ رحيل أبيها في الغربة وإلى يومنا هذا، حيث ترى أن لا موطن لمثلها إلا النور، وبوصلة الحب هي مصدر النور.

وتردف “ولعل هذا أيضًا، هو السبب وراء اختياري دعم ثورة تشرين العراقية في العام 2019، لأنني رأيت فيها الشباب يطالب بحقوق الإنسان، يطالب بكرامته التي أهدرها الغزو من جانب، والتدخل الإيراني من جانب آخر، فضلاً عمّا تسبب به التنظيم الإرهابي داعش في بلاد لم تستطع أن تكون لي وطنًا لكنني ظللت أحملها في قلبي كوطن”.

وترى الشاعرة أن ثقافات الإنسان تتعدد حينما تتعدد لغاته، وتتسع رقعة تعامله مع أقرانه؛ لذا كان لدمشق فيها حكاية، اقترنت ببغداد وبالطفولة، وأيضًا بالفقد، فهناك بدأت رحلتها الفردية الفريدة نحو عالم النور الأول، ومن هناك اقترنت ببياض الياسمين وابتهالات المسجد الأموي وحمائم ساحته. وهناك أيضًا تكوّنت الإنسانة الأولى، والحروف الأولى التي بها استطاعت أن تعترف بموت والدها ولم تكن حينها قد تجاوزت العاشرة من العمر.

وبانتقالها إلى المجتمع الأوروبي أتيحت لها حياة مختلفة، تقول “على المستوى الهولندي والأوروبي كانت الظروف بعيدة جدًا عمّا عشته في دمشق آنذاك، وهو الأمر الذي سهّل لي التوسع في مداركي الإنسانية من جانب، واختيار مساري نحو القانون الجنائي الدولي، كوني منذ الصغر كنت أبحث عن العدالة في قضايانا الأممية، قبل أن أبحث عن العدالة في قضية اغتيال أبي، فضلاً عن أنَّ الفلسفة وعلم الاجتماع والأدب وهي الأقرب إلا القلب، علوم لن تبدل واقعنا العربي المأزوم في شيء، مادام العرب يجهلون دروبها؛ حينها كانت عيناي على مستقبل مختلف عما وصلت إليه اليوم؛ ولكنني موقنة تمام اليقين أنَّ هناك دومًا حكمة في المسارات التي تسلكها الحياة بنا”.

الشعر والترجمة

تشير عادل إلى أنَّ المرء حين يكتب مشاعره لا يفكر في القالب الذي يضع فيه الكلمة، هي تتدفق كلما تراكمت بداخله الصورة والمشاهد حد الرغبة بالميلاد، والميلاد هنا هو البوح، والبوح عندها لا يكون إلا كتابة، لذا تتداخل أشكال النصوص في دواوينها بين طرق الكتابة المتنوعة، ففي النهاية التجربة هنا شعورية بحتة، لا قوالب لها، هي فقط ذات الشاعرة.

وحول اتجاهها إلى النشر الإلكتروني على الرغم من الإمكانات المتاحة لها للنشر ورقيًا أو الجمع بين الورقي والإلكتروني توضح “أدركت منذ وقت مبكر أنَّ الشعراء يعيشون في عالم منفصل عن البشرية، عالم أفلاطوني إلى حد بعيد، وبعضهم اتّخذ من الشعر أيضًا وسيلة للكسب، وهو ما لم يناسب هويتي، فأنا من الناس وللناس، كيف لي أن أبتعد عنهم، وكيف لكلمتي ألا تكون في متناول أيديهم علّها يومًا تضيء مصباحًا ما في ذاكرتهم، أو حتى في وجدانهم، فيختارون السبيل الصحيح لحريتهم وانعتاقهم من أنفسهم”.

وتتابع “من هذا المنطلق شاركت في كتاب بيت النص الإلكتروني، فلست ممن يسعون وراء شهرة أو مال، أو انتظار عائد لمشاعري، كل ما أتوق إليه هو أن تضيء الكلمة مصابيح في عتمة الإنسان الذي غلب على أيامه التيه، فيعرف أننا هنا، نشاركه أيامه، وندرك ما يمر به، لأننا نعيشه معه؛ وبالتالي، ليس هناك أفضل من منصة بيت النص لنشر ما كتب، وتسهيل السبيل لخلق رابط بيني وبين الآخرين من شركاء في الإنسانية”.

رغم أن البعض من الشعراء اختار التكسب فإنهم يعيشون في عالم منفصل عن البشرية، عالم أفلاطوني إلى حد بعيد

وتقول الشاعرة “أن تترك بصمة على وجه السماء، يعني بالضرورة أيضًا أن تمنح ما تعلمته فضاءً للانتشار، ومن هذا الواقع، انطلق مشروعي الترجمي، عن الإنجليزية والألمانية، في مجالات حددتها لنفسي، لما فيها من معرفة تساعدنا على فهم حاضرنا بالدرجة الأولى، وبالدرجة الثانية توسع إدراكنا الحسي”.

وتتابع عادل “مشروعي للترجمة بدأ بعلم الاجتماع، والبحث عن الأسباب المترابطة علميًا لسلوك الإنسان تجاه قضاياه الأساسية وقضايا مجتمعه، وبالطبع علم الاجتماع لا ينفصل عن الفلسفة كثيرًا، فالقواسم المشتركة بينهما كبيرة، ولكن للأسف يفتقر عالمنا العربي إلى المراجع فيه بحكم أنّه علم حديث النشأة، وهو ما جعلني أعمل في مجال الترجمة العلمية كي نزيد من معرفة الإنسان بذاته وبمحيطه، ومن فهمه لقراراته وأسباب أخطائه، وأخطاء المجتمع”.

أما عن الترجمة الأدبية والتي استهلتها بترجمة كتاب “هكذا تكلم زارادشت” للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشة، فقد كان هناك سر وراء هذا الاختيار تحديدًا، لعلَّ أوله ما في الكتاب من سعي نحو استنهاض الإنسان من وهم “المُخلِّص” وإطلاقه نحو الحرية المسؤولة، وهو أمر أغفله الكثير من المترجمين الذين ترجموا الكتاب فلسفة فيما تعتبره هي رواية.

وتضيف عادل “أغلبية من ترجموا الكتاب لم يقدموه كنص أدبي، كما لم يترجموه من لغته الأم بل من لغة وسيطة، وهو ما أفقد النص الأدبي روحه، وحتى الأشعار التي كتبها نيتشة في النص، كانت غائبة إلى حد بعيد عن المعنى الأصلي لها؛ وهذا خلل مستمر حتى يومنا هذا في عالم الترجمة الأدبية، فالغالبية العظمى اليوم يترجمون دون الالتفات إلى روح النص، وفكرة الأديب الكاتب، وهو ما يبعد القارئ بالضرورة عن مضمون المحتوى، وينقل روح المترجم لا روح الكاتب الأصلي في النص”.

15