ندرة الشعر وندرة الشعراء

لم يعد الشعراء يهتمون بصياغة قصائدهم، والاعتناء بها في الوحدة والصمت، لذا غالبا ما تكون هذه القصائد شبيهة ببيانات سياسية محشوة باللغو والشعارات الجوفاء.
الثلاثاء 2018/07/10
المنصف المزغني يلقي بحجر في وضع آسن ومتعفن

مؤخرا أثارت قصيدة قصيرة ألقاها الشاعر التونسي المنصف المزغني بمناسبة إنشاء كرسي أبي القاسم الشابي بمدينة الثقافية جدلا واسعا في الأوساط الثقافية والسياسية بين مدافع عنها باعتبارها تنتقد بنوع من السخرية والجرأة الإسلام السياسي، وبين من يرى أنها خالية من الشعر جملة وتفصيلا، بل هي مجرد كلام سطحي ومبتذل لا يرتقي إلى الشعر في مفهومه العميق والأصيل.

وقد يكون صاحبها أراد من خلالها استعادة “مجده” الأدبي أيام كان يصول ويجول في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، ممجدا الانتفاضات الشعبية من أجل الخبز والحرية. كما أراد من خلالها أيضا ملء فراغ تركه الراحل أولاد أحمد الذي اشتهر بقصائده اللاذعة والساخرة ضد الأصوليين.

وكان أحد النقاد على حق عندما أشار إلى أن قصيدة المنصف المزغني ليست جديدة على المشهد الشعري التونسي، فقد اشتهرت جماعة ما سمي في الستينات من القرن الماضي بـ”غير العمودي والحر” بقصائد شبيهة بها، بل قد تكون أكثر سطحية وابتذالا منها. وهذا ما نعاينه في جل قصائد الطاهر الهمامي في مجموعته الشعرية “الشمس طلعت كالخبزة” والتي يمجد فيها البروليتاريا الرثة والمهمشين، مستعملا عبارات دارجة وسوقية، كما نجد مثيلا لها لدى الحبيب الزناد، وهو علم آخر من أعلام الموجة الشعرية المذكورة التي اختفت لكنها تركت آثارها مبعثرة هنا وهناك.

وليست القصيدة المذكورة بغريبة عن مسيرة المزغني نفسه، فخلال الثلاثين سنة الماضية، دأب هذا الشاعر على إلقاء قصائد لا تختلف عنها لا في اللغة ولا في الأسلوب ولا في المنحى، وهذا ما فعله في تلك القصيدة التي ينتقد فيها نواب البرلمان التونسي، واصفا إياهم بقطيع من الخرفان إن ثغا واحد منهم رددت الخرفان الأخرى نفس الثغاء، ورغم أن النقاد وأحباء الشعر في تونس وخارجها نبهوا المزغني إلى مثل هذا “السقوط” إلاّ أنه واصل تغريداته، حاصلا أحيانا على بعض التجاوب والثناء.

وإذا ما كانت الأحوال على هذه الصورة، فلمَ أثارت إذن قصيدة المزغني مثل هذا الجدل الساخن في وسائل الإعلام؟ وأعتقد أن هناك أكثر من سبب لذلك، والأول هو أن المزغني ينتسب إلى موجة شعرية في تونس عرفت باستخدام الشعر لانتقاد أوضاع سياسية سواء في الداخل والخارج. وفي كل مرة يهز الدنيا حدث سياسي هنا وهناك، يسارع شعراء هذه الموجة بالتجاوب معه ليكون موضوعا لقصائدهم التي يكون الهدف الأساسي منها إرضاء جمهور قد يكون مهتما بالحدث أكثر من اهتمامه بالشعر.

أما السبب الثاني فعائد إلى الوضع الذي تعيشه تونس منذ سقوط نظام بن علي، وهو وضع بات فيها أهل السياسة من كل الأطياف يحتلون المشهد فلا يكاد التونسيون يسمعون أصواتا أخرى غير أصواتهم وهم يطلقون الأوهام والأكاذيب بلا حساب ولا عقاب.

ولعل المزغني لم يحتمل مثل هذا الغبن، ومثل هذا الإقصاء الذي لم يعرف له مثيلا لا في عهد بورقيبة ولا في عهد بن علي، لذا أراد أن يلقي بحجر في وضع آسن ومتعفن، راغبا في أن يشعر الناس بأنه لا يزال على قيد الحياة، وأنه لا يزال قادرا بالتالي أن يحرك الألسن والأقلام.

وهناك جانب آخر لا بد من الإشارة إليه في هذا السياق، وأعني بذلك ندرة الشعر والشعراء في تونس خلال الفترة الراهنة، وربما لهذا السبب لم نعد نسمع أو نقرأ قصائد تعكس روح الشعر في معناه العميق، وبسبب كثرة المهرجانات والعكاظيات الشعرية التي يكثر فيها الزعيق والنعيق، لم يعد الشعراء يهتمون بصياغة قصائدهم، والاعتناء بها في الوحدة والصمت، لذا غالبا ما تكون هذه القصائد شبيهة ببيانات سياسية محشوة باللغو والشعارات الجوفاء، وفيها تنعدم أنا الشاعر وهمومه ليصبح بوقا أو صدى لأحداث سياسية أو غيرها.

14
مقالات ذات صلة