ندرة المواد الأساسية في الأسواق تربك الحكومة الجزائرية

تحذيرات من استغلال أزمة الزيت لتأجيج الوضع الاجتماعي.
الثلاثاء 2021/03/30
نقص الحليب سبب الأرق للمواطنين

أثارت ندرة مواد غذائية في الأسواق الجزائرية على غرار الزيت والحليب جدلا كبيرا في الشارع الجزائري، في ظل تقاذف المسؤوليات بين الأطراف الفاعلة في هذا المجال، وعجز الحكومة عن احتواء الوضع الذي أعاد إلى الأذهان أزمة السميد (الطحين) خلال العام 2019.

الجزائر - يواجه المستهلك الجزائري، ندرة حادة في مادتي الزيت والحليب، مما فتح المجال أمام المضاربة وارتفاع سعريهما بشكل لافت، لينسحب بذلك الوضع على باقي المواد الاستهلاكية التي تشهد ارتفاعا فاحشا في الأسعار، الأمر الذي أنهك كاهل المستهلكين، وسط تخبط حكومي في احتواء الوضع والتحكم في السوق.

ويرى ناشطون في سوق المواد الغذائية، أن سبب أزمة الزيت تعود إلى فرض وزارة التجارة لنظام “الفوترة” (استخدام الفواتير لضبط الأسعار) على المعاملة بين الممون الرئيسي وتجار الجملة، وهو ما يدرج بصفة آلية ضمن ضريبة على القيمة المضافة حددها قانون المالية الجديد بحوالي 19 في المئة، لكن الوزارة فرضت في نفس الوقت سعرا مسقفا على المادة لا يأخذ بعين الاعتبار قيمة الضريبة المذكورة.

ولجأ معظم تجار الجملة في سوق السمار بالعاصمة، إلى وقف بيع الزيت لتجار التجزئة بالخسارة، ونفس الشيء بالنسبة إلى تجار التجزئة الذين صاروا يتفادون بيع المادة، تحاشيا لرقابة المصالح التجارية التي تدخلت في بعض الحالات بغرامات جزافية عقابا لأصحابها على تجاوز السعر المسقف.

ولا يزال رجل الأعمال المالك لشركة “سيفيتال” يسعد ربراب، يحتكر أكثر من 70 في المئة من نشاط زيت المائدة في البلاد، وتأتي بعده مؤسسات محدودة على غرار “عافية”، و”صافية” المتوقفة عن الإنتاج بعد حجز القضاء الجزائري على الشركة المملوكة لعائلة كونيناف، بعد ضلوع بعض أفرادها في ملفات فساد مالي ويتواجدون في السجن حاليا.

لكن لرئيس الجمعية الوطنية للتجار والحرفيين الجزائريين طاهر بولنوار، رأي آخر في المسألة، حيث رد على استفسار “العرب” بالقول “منتجو المادة أبلغوا هيئته بأن ارتفاع الأسعار وتذبذب التوزيع يعودان إلى ارتفاع المواد الأولية كمادة الصوجا في الأسواق الدولية، فضلا عن ارتفاع تكاليف التغليف والتعليب وتراجع قيمة الدينار أمام سلة العملات الصعبة”.

طاهر بولنوار: نظام الفوترة أعطى الانطباع لدى التجار بأنه سيقلص الربح
طاهر بولنوار: نظام الفوترة أعطى الانطباع لدى التجار بأنه سيقلص الربح

ولفت إلى أن “فرض التعامل بنظام الفوترة أعطى الانطباع لدى تجار الجملة والتجزئة بتقلص هامش الربح، وعليه يتوجب على السلطات المختصة مراجعة نظام الدعم الذي كان معمولا به في السابق، ليكون أكثر عدلا وتوازنا”.

وكانت السلطات الجزائرية، قد أعفت العاملين في مجالي الزيت والسكر المستوردين بشكل كلي من الأسواق الدولية، وما يتم في الداخل هو المعالجة والتوضيب فقط، من الضريبة على القيمة المضافة، بعد ما عرف بـ”أحداث الزيت والسكر” العام 2011، الأمر الذي حقق عائدات وصفت بـ”الضخمة” لأكبر محتكري النشاط (مجمع سيفيتال)، بدعوى الحفاظ على مستوى الأسعار، واعتبرته الحكومة مذاك دعما للمادتين.

وأمام دخول ندرة مواد غذائية في السوق الجزائرية في نطاق التوظيف السياسي، بسبب فشل الحكومة في احتواء الوضع الذي يهدد بانزلاق اجتماعي، أياما قليلة قبل دخول شهر رمضان الفضيل، الذي يعد موسما استهلاكيا لدى العائلات الجزائرية المنهكة خلال الأشهر الأخيرة بارتفاع شامل لمختلف المواد الاستهلاكية.

واتهم وزير التجارة كمال رزيق أمام نواب مجلس الأمة (الغرفة الثانية للبرلمان)، بأن “جهات معينة في الداخل والخارج تحاول استغلال ارتباك توزيع مادة الزيت لتأجيج وتأليب الشارع على السلط العمومية، وأن المشكلة لا تكمن في الوفرة وإنما في المضاربة والاحتكار”.

ولفت إلى أن “الإشكال المطروح هو أن أحد المتعاملين الذي لم يكن يطلب الدعم سابقا، أصبح يطلب الدعم لأول مرة وأصبح يتعامل بالفاتورة وقد رفضها التجار، وبالتالي وقع هذا العزوف عن شراء المادة”.

كمال رزيق: على المواطنين الحد من اللهفة في الشراء بما يفوق الحاجة
كمال رزيق: على المواطنين الحد من اللهفة في الشراء بما يفوق الحاجة

وتابع “هناك احتياطي كبير على مستوى المصانع الستة الموزعة على مستوى التراب الوطني، بلغ 94 ألف طن بإمكانه تغطية حاجيات الجزائريين من المادة إلى غاية نهاية شهر يونيو المقبل”.

وتشن مصالح الرقابة التجارية حملة تفتيش في المحال والمخازن، لمحاربة المضاربة والاحتكار والتلاعب بالأسعار، إذ تم الكشف عن كميات كبيرة من الزيت مخزنة في مخابئ كان يستعد أصحابها لإعادة بيعها بأسعار أكبر من السعر المسقف، والمقدر بأقل من دولار للتر الواحد.

ودعا وزير التجارة مواطنيه إلى “عدم الرضوخ للإشاعات والحد من ظاهرة اقتناء المواد بشكل مضاعف عن احتياجاتهم لغرض تخزينها، لأن هذا العامل سيتسبب في استهلاك كمية الشهر في يوم واحد”.

وتناقلت وسائل إعلام محلية وشبكات التواصل الاجتماعية صورا وتسجيلات لتدافع مواطنين على مادة الزيت، أعادت إلى الأذهان سيناريو أحداث الزيت والسكر العام 2011، وقبلها ندرة 1988، مما أدى حينها إلى أحداث عنف واحتجاجات أفضت إلى تحول سياسي كبير.

وفي المقابل صرح مالك مجمع سيفيتال، رجل الأعمال يسعد ربراب، بأن “مستودعات المجمع تشهد تخمة في مادة الزيت، ولا وجود لأي نقص”، لكنه تفادى توضيح الندرة التي تشهدها الأسواق.

وجاءت ندرة المادة المذكورة، لتنضاف إلى تراكمات متسارعة في المشهد الاقتصادي الجزائري، حيث تشهد قيمة العملة المحلية انهيارا غير مسبوق أمام العملات الأجنبية، فضلا عن أزمة السيولة المسجلة في مراكز البريد والبنوك خلال الأشهر الأخيرة.

ودخلت أزمة حليب الأكياس عامها الأول، دون أن تجد لها الحكومة حلا ناجعا، وتوازى ذلك مع تذبذب في توزيع المياه وارتفاع شامل للأسعار الاستهلاكية.

وتعتمد الجزائر في تموين حاجيات سوقها المحلية على الاستيراد من الخارج على غرار الصين وأوروبا وبدرجة أقل تركيا، حيث قدرت وارداتها خلال العام الماضي بحوالي 40 مليار دولار الأمر الذي ساهم مباشرة في ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية، كما تشهد السوق المحلية ندرة جزئية في بعض المواد كالزيت والحليب، بينما تعتمد بمعدل 98 في المئة من مداخيلها على صادرات النفط والغاز.

وقدرت إحصائيات دولية أن السعر الذي يحقق للجزائر توازنا في حساباتها هو 116 دولارا للبرميل الواحد من النفط، وهو سقف غير متاح في الأفق بسبب تراجع الإنتاج الداخلي وتجاذبات سوق النفط الدولية المتأثرة منذ 2014.

11