ندوة أصيلة المغربية: حوار جاد من أجل استفاقة عربية شاملة

يتفق العديد من المفكرين والباحثين العرب على فكرة قديمة متجددة، مفادها أنه لا مستقبل للدول العربية مجتمعة من دون تحقيق استفاقة جدية وشاملة تشمل مختلف الجوانب الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. استفاقة أضحت اليوم أكثر من أي وقت مضى، بمثابة مطلب ملحّ في ظل الصراعات التي تشهدها المنطقة والمخاطر التي تحوم حولها وكثرة المتربصين بأمنها واستقرارها، وعلى رأسهم إيران التي لا تتورع في تنفيذ مشروعها التوسعي الإقليمي على حساب راحة جيرانها العرب وسلامة عيشهم. وفي سياق مجابهة هذه الأخطار والعمل على إيجاد حلول نظرية تمهد لصدها على الأرض، انتظمت ندوة أصيلة المغربية.
الجمعة 2015/08/14
مجموعة من المشاركين يحاولون إعادة صياغة مستقبل العرب

أصيلة (المغرب) - عُقدت على مدى ثلاثة أيام ندوة “العرب: نكون أو لا نكون” ضمن مهرجان أصيلة، أُستضيف فيها كُتاب وأدباء وسياسيون مِن مختلف البلدان العربية. ولأنّ العنوان كان صادماً، وبدا فيه شيء من التشاؤم والتحدي في الوقت نفسه، لم يتفق العديد مِن المتحدثين معه، على أنه يمثل هلعاً على أمة كاملة، يُناقش وجودها أو عدم وجودها أمام المستجدات السياسية والاجتماعية الراهنة، ومع ذلك كان التفاعل مع فعاليات الندوة كبيراً مِن قِبل المتحدثين والحاضرين.

وقد تعلق أحد المواضيع التي طُرحت في اليوم الثاني من الندوة، بقضية الطوائف والأديان، والهويات عموما، ليعاضد المنطلق الذي بني على أساسه عنوان الندوة ويعبّر عن أمر لافت للنظر، ألا وهو اللجوء إلى الطائفة بديلاً عن الدولة والقومية، ويطرح معه تساؤل محوري مفاده، هل سيبقى الانتماء العربي حيَّاً بوجود الطائفية؟

غير أنّ هذا التشتت الذي لا يجمعه جامع، وفق تدخلات الحاضرين، جاء نتيجة لممارسات السّلطات التي لم تستطع مواجهة الانفلات الطائفي، الذي تفاقم بعد ما سمي بـ”الربيع العربي”، وفق تعبيرهم.

الهوية والأخطار الإقليمية

انطلاقا من قضية الهويات وصراع الحضارات التي طبعت النقاشات والمواضيع التي تمّ تداولها على مدى فعاليات الندوة، تمّ سليط الضوء على الموقف الإيراني، حتى غدا عنوان “نكون أو لا نكون”، معبّرا بشكل أساسي على مركزية الصراع العربي الإيراني، فإيران منذ قيام “الثورة الإسلامية” فيها لا تتواني على العمل على توسيع شبكاتها التنظيمية ومدّ أذرعها في المنطقة، تحت غطاء لطالما ألهم السواد الأعظم من العرب كثيراً، ألا وهي قضية فلسطين. وتحت ذريعة تقديم العون للمقاومة الفلسطينية عملت على تأسس حزبها في المنطقة “حزب الله”، وتوسيع نفوذه من لبنان إلى سوريا، ومنهما إلى أيّ مكان آخر تسعى إلى بسط نفوذها عليه.

"نكون أو لا نكون" الذي اختير كعنوان لفعاليات بدا معبرا بشكل أساسي عن مركزية الصراع العربي الإيراني

وتتالت من ثمة الذرائع التي استندت إليها محاولات التوسع الإقليمي الإيرانية، وحظيت هذه الفكرة بنصيب هام من النقاش خلال الندوة، إلى حدّ أنّها استفزّت أحد الحاضرين (إيراني الأصل غير محسوب على النظام الحاكم الحالي) ليقول إنّه “لولا إيران لأقامت داعش دولتها الكبرى، ولولا حزب الله لأصبحت لبنان خاضعا للسيطرة الإسرائيلية”.

وعلى الرغم من تفهم الدوافع التي كانت كامنة وراء هذا التصريح وسياق الفهم الذي صدر عنه، والذي لطالما وقع فيه العديد من العرب قبله، مِن بين أولئك الذين بدا لهم حزب الله حزباً مقاوماً يواجه إسرائيل قبل اجتياحه للبيروت، وانكشاف حقيقته والتي مفادها أنّه لا يمثّل أكثر من أداة بيد إيران التي تعمل من خلاله على تصدير الثورة ومدّ نفوذها.

وقد أضفى هذا النقاش حيوية على مسار الندوة، من خلال الردود التي انجرت عمّا طرحه المثقف الإيراني، بخصوص إيران وحزب الله، حيث أنه لم يكن يدر بخلد المتحدث أنّ عنوان الندوة “العرب نكون أو لا نكون” كان من الأساس موجها لنقد التوسع الإيراني داخل المجتمعات والدول العربية، باستغلال الصراعات والشحذ الطائفي، فإيران التي تطرح نفسها عدوا لإسرائيل لا تتأخر عن العمل على إذكاء الطائفية والنزاعات بإعلانها أنها مسؤولة عن حماية الشيعة. وقد كانت تلك الردود على ما قاله المثقف الإيراني صادرة عن مشاركين أغلبهم من الشيعة البحرينيين.

المداخلات تميزت بانخراطها المباشر في القضايا الراهنة والحارقة التي تواجهها الدول العربية والعالم العربي عموما

وفي جانب آخر من جوانب الندوة التي اتسمت بجملة من النقاشات الحادة والهادفة والبناءة في جو من المرونة والهدوء المطلوب، حصل اعتراض على أن تكون الهوية العربية هي الجامعة، انطلاقا من ضرورة الحفاظ على مميزات البيئة العربية الجامعة، وعلى خصوصيات بقية القوميات التي تتعايش مع العرب، كالأمازيغ والأكراد والتركمان وغيرهم. وقد جاء هذا الاعتراض من مثقفة مغاربية، من أصول عربية، لكنها نظرت إلى الأمر من ناحية إنسانية، لافتة إلى أنّ يكون الإنسان هو الأصل في إطلاق التسميات أو تحديد الهويات.

وجاء الرد على ما ذهبت إليه الباحثة المغربية مقنعاً أيضاً، فقد بنيت الإجابة على أساس أنّ الهوية العربية تمثّل الأصل في المنطقة، ولا تلغي غيرها من الهويات، وقد تشكلت كهوية ثقافية وحضارية غير طاردة لغيرها، فمعنى أن نكون عرباً في هويتنا الثقافية لا يعني التعصب القومي، مثلما قدمته بعض الأحزاب والجماعات المتطرفة، إضافة إلى الحاجة إلى هوية جامعة لمواجهة الهويات الزاحفة بقوة على المنطقة، وبهذا تكون العروبة واجهة للدفاع ليس عن العرب فحسب وإنما عمّن يعيش بين ظهرانيهم منذ دهور.

طغيان الجانب السياسي

شكلت الندوة فضاء جامعا لأفكار متعددة ومتنوعة تتناقض حينا وتتآلف حينا آخر ولا تتقابل من حيث المنطلقات والخلاصات أحيانا، وتميزت المداخلات التي قدمها الحاضرون بانخراطها المباشر في القضايا الراهنة والحارقة التي تواجهها الدول العربية متفرقة والعالم العربي عموما، وعلى الرغم من أنّ العديد من المداخلات جاءت تكرار لغيرها، إلاّ أنّ ذلك لم يخل الندوة، كتقييم عام، من أفكار جادة وحيوية.

الهوية العربية تمثّل الأصل في المنطقة ولا تلغي غيرها من الهويات وقد تشكلت كهوية ثقافية وحضارية غير طاردة لغيرها

وعلى الرغم من أنّ العديد من المتداخلين حاولوا البعد عن الجانب السياسي المباشر إلى الجوانب الفكرية والثقافية، إلاّ أنّ الأوضاع التي تشهدها المنطقة لم يسمح بذلك، خاصة أنهم قادمون من مجتمعات ودول ملتهبة بالطائفية والنزاع على الهويات، فحتى المحاولات التي صدرت عن عدد من الأدباء والأديبات الذين عمدوا إلى تقديم قضية وجود الهوية عبر الثقافة بعيدا عن السياسة، لم تخرج عن السياق العام الذي اتّبع في شرح هذا الواقع، ولم تزد عليه بغير لغة أدبية لا أكثر.

ومن بين المواضيع التي تمّ التطرق لها هذه الندوة والتي حازت بدورها على اهتمام يضاهي الاهتمام الذي غنمته المواضيع السياسية، تميزت قضية علاقة الدين بالدولة وبالسياسة بتفرّدها الخاص، فحضرت المقابلة بين الغرب والعرب، وكيف تمّ تأسيس العلمانية وبناء صروحها، ومن ثمة كيف تمكنوا من إنشاء صناعتهم وحضارتهم، رغم أنّ العرب كانوا في بعض الفترات السابقة يسبقونهم بأشواط. وهناك مَن فسر هذا النجاح الغربي، بأنّ المسيحية لم تبدأ سلطة ودولة، إنما ظلت لثلاثة قرون دعوة روحانية، ثم تبناها القياصرة لتكون دين الدولة والسياسة وعندها تحولت إلى مُلك. غير أنّ هنالك من حاول دحض هذا الأساس البنائي من زاوية مضادة، حيث قدّم بدوره رؤية حول الإسلام، تفسر التمييز الذي جاء فيه بين الدولة والدين، حيث قال أحد المداخلين إنّ جماعة إخوان الصفا ميزوا بينهما قبل أكثر من ألف عام، عندما قالوا “الإسلام بمكةَ دين وبالمدينة مُلك”.

خلاصة القول لقد مثّلت الندوة بأيامها الثلاث فضاء مفتوحا للنقاش الثري والبناء، وعلى الرغم من أنها بقيت بعيدة بعض الشيء عن تقديم حلول عملية مباشرة، إلاّ أنّ الحوارات التي شهدتها ورشاتها وجدية الطرح والتناول، يقدّمان تصورا إيجابيا مفاده أنّ العرب “سيكونون” إذا تعرضوا لقضاياهم بحوار هادئ بعيداً عن العواطف، وهذا ما حدث في ندوة أصيلة المغربية بالفعل.

7