ندوة تطور العلوم الفقهية تناقش إمكانية التجديد في المذاهب الإسلامية

الأربعاء 2015/04/08
الخطاب الديني المتجدد يمنع تمدد حركات الإسلام السياسي فكرا وممارسة

مسقط - في ظل العنف المتزايد لبعض الجماعات الجهادية، والتي وجدت في انطلاقة ما سمّي بثورات الربيع العربي مجالا للظهور والتمدد فكريا وجغرافيا إضافة إلى الأفكار البعيدة عن وسطية الدين الإسلامي، برز مصطلح تجديد الخطاب الديني حيث فرض نفسه على المؤسسات الإسلامية، كما أن افتقاد العلماء لمنهجية واستراتيجية تحث على الدعوة إلى الاقتداء بقواعد الإسلام الوسطي، ظهرت هذه الجماعات المتطرفة فكرا وسلوكا لتسوّق الإسلام على أنه دين السيف والعنف والتطرف، وبأن الإسلام يدعو إلى الإرهاب.

مسألة تجديد الخطاب الديني الإسلامي أصبحت أولوية كبيرة منطلقة من أهداف الشريعة ومقاصدها، إضافة إلى اعتماد خطاب ديني مُتطور، يكون كفيلا بالقضاء على الأفكار الجهادية، من خلال التعاون والتكامل بين جميع المؤسسات الدينية.

وفي هذا الإطار انتظمت بمسقط في سلطنة عمان ندوة حول تطور العلوم الفقهية تهدف إلى مناقشة إمكانية التجديد في المذاهب الإسلامية.

الندوة ناقشت مسألة “فقه العصر: مناهج التجديد الديني والفقهي” من حيث إمكانية الحراك والتجديد في المذاهب الإسلامية. ومن بين المحاور التي تم طرحها الاجتهاد الإنشائي عند الفقهاء العمانيين، وهو ما يوضح التطور الذي وصلت إليه الفتاوى في مستجدات العصر الحديث. والاجتهاد الإنشائي هو ما يُعنى بأقوال العلماء في النوازل التي لم يسبقهم إليها أحد.

وأكدت الندوة على أنه آن الأوان للانتقال إلى الجانب العملي في الأصول والفقه، فالواقع تحكمه الآن أساليب الغلاة والمتطرفين حتى كادت تكون الأداة الوحيدة المعتمدة في التعبير عن الإسلام، كما شددت على وجوب أن ننفي عن الإسلام تحريف المغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.

الندوة استعرضت في بعض مواضيعها مسيرة الاجتهاد الإنشائي في العصر الحديث ومنهج الاجتهاد المعاصر الذي يتجدد به الدين الحنيف، كما كان لها عدة محاور من بينها الأصول النظرية لفقه العصر، والذي يشمل دراسة الإجماع والاختلاف والاجتهاد والقياس ومفهوم تطبيـق الشريـعة والتقليد الفقهي ومناهج الأصوليين ومسارات الإصلاح في الفقه مراجعة وتجديدا. إضافة إلى فقه العصر في المجال الدولي من حيث رؤيته الفلسفية وقواعده الفقهية أو موضوعاته مثل الردة والسلم المدني والعلاقات بين الديانات والثقافات وجرائم الإبادة والاتجار بالبشر.

المسلمون بحاجة لتجديد الخطاب في المسائل الفقهية والقدرة على تفسير النصوص تفسيرا يتماشى مع روح العصر

وكانت الندوة قد افتتحت أعمالها تحت رعاية محمد بن أحمد الحارثي مستشار دولة عمان وبحضور عدد من الوزراء وعدد من مفتيي الدول العربية والإسلامية وعلماء من دول مجلس التعاون والدول العربية والإسلامية ورؤساء بعض الجامعات العربية.

وقال أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام سلطنة عمان: هذا العصر هو منعرج خطير بالنسبة إلى هذه الأمة لما حصل بينها من شقاق تبعتها فتن اصطلت الأمة بنارها، فالفقهاء مطالبون بأن يخرجوا هذه الأمة من هذا المأزق وأن يحوّلوها من الشقاق إلى الوفاق ومن الخلاف إلى الائتلاف حتى تصان دماؤها وأعراضها وحرماتها وتطفئ لهيب الفتنة المستعر فيما بينها.وأضاف الخليلي أن اللقاءات التي تتم بين الفقهاء هي ساحات وحاضنات لعلاج المشكلات التي تفرزها تطورات الحياة الإنسانية.

عبدالرحمن السالمي رئيس اللجنة المنظمة للندوة قال: إن مناهج الاجتهاد والتجديد وآلياته عليها أن تتم ضمن القواعد الثلاث التي استقر العمل بمقتضاها وهي النص القرآني والسنة النبوية وإجماع المسلمين وأعرافهم، وآليات الاستنباط المتمثّلة في القياس الفقهي الذي نمت البحوث بشأن جزئياته نموا كبيرا.

أما شوقي عـلام مفتي الديـار المصرية فقد قال: إننـا أمام مشكلات عـديدة فـي هذا العصر ونحن نعوّل كثيرا على علماء وفقهاء الأمة بأن يخلصوا إلى نتائج من واقع نفوسهم ومن واقع فكرهم السديد تعالج هذه المشكلات.

أما آية الله أحمد مبلغي من إيران فقال: إن ما ركزت عليه هذه الندوة من موضوع إلباس الفقه لباس العصر مهمّ للغاية، ولا شك أن هذا المشروع أي دفع الفقه نحو العصر تتم محاولة تحقيقه بوضع القضايا المستجدة والعصرية على طاولة دراسات الفقه واستنباطاته، ولكن هذا المشروع بحاجة فورية أكثر لأن نحقق ونعمّق دورا أكثر للفقه وأداء عصريا فاعلا له. والأداء العصري للفقه الفاعل يعني أن يبلغ الفقه من حيث الأداء حدا من الكيفية تنحل به مشاكل الإنسان المعاصر لا أن تتسع به هذه المشاكل أو تتعقد أكثر فأكثر.

الأداء العصري للفقه الفاعل يعني أن يبلغ الفقه من حيث الأداء حدا من الكيفية تنحل به مشاكل الإنسان المعاصر

محمد مصطفى الياقوتي وزير الدولة بوزارة الإرشاد والأوقاف ورئيس المجلس الأعلى للدعوة الإسلامية بجمهورية السودان يقول: إن الندوة مميزة لكن ما يميّزها هذا العام أنها ركزت على قضية التجديد الديني والفقهي وتكلفت عن الاجتهاد الإنشائي أي أن هناك مسائل طابعها الجدية.

وأشار إلى أنه لا إشكال عندنا في الدين لأن القواعد تحكي ثمار هذا الدين موضحا أن هناك مناطات واسعة للنص الشرعي ينبغي أن ينظر إليها وهذا يكون من الجادين والفقهاء وأرباب المعارف حينما ينظرون إلى هذه المناطات الواسعة نجد أننا قد ألحقنا الفرع المستنبط بالدلالة القرآنية الواضحة لأن القرآن شامل وكذلك سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ونحن فقط نحتاج إلى الفهم والقراءة الكلية وعدم الاجتهاد المجزوء الذي ينظر إلى ناحية دون ناحية بل يضم النصوص الشرعية كلها إلى بعضها لتخرج بأمر جيد ونكون قد ألحقنا الناس بالقرآن وبسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهذا يعني أننا ينبغي أن نربط الناس مباشرة بالنصوص الشرعية والمفاهيم الأصلية والقيم.

أحمد بن سعود السيابي أمين عام مكتب مفتي عام سلطنة عمان قال: هذه الندوة التي نحن بصددها هي ندوة تحمل في أهدافها مناهج التجديد في الفكر وفي الفقه وهما أمران ضروريان لأن التجديد يتلاءم مع مستجدات العصر ومعايشة الواقع ومع فقه العصر.

وبما أن هذا العصر يشهد تغيرات دراماتيكية ومتغيرات متسارعة وبالتالي فقد أفرزت هذه المتغيرات مستجدات وهذه المستجدات لا بد من وضع حلول لمشكلاتها التي نجمت من خلال هذا الحراك الحياتي في هذا العصر.

وهذه الندوة جاءت في وقت مناسب جدا فقد ضمت العديد من العلماء من جميع المدارس الفقهية، هذا الجمع قادر على إيجاد الحلول للمشكلات والصراعات التي يشهدها العالم العربي من فُرقة ومد طائفي.

مسألة تجديد الخطاب الديني تقف اليوم موقف المدافع عن الإسلام وصورته فمن خلالها سيتمكن المسلمون من الوقوف أمام مدّ التيارات الجهادية التي اختطفت عقول الشباب وجعلتهم تحت تأثير تفسيراتها الخاطئة لأحكام الدين وتأويلاتها المتطرفة للتراث الفقهي.

فتجديد الخطاب في المسائل الفقهية والقدرة على تفسير النصوص تفسيرا يتماشى مع روح العصر والحداثة هو الكفيل بقطع الطريق أمام حركات الإسلام السياسي العنفية ومنع تمددها فكرا وممارسة.

13