ندوة في المغرب تتفحص "الجدران" النفسية والذهنية بين الثقافات

الثلاثاء 2015/02/17
ندوة الإسلام في الإعلام الأوروبي تطرح الأسئلة المترتبة على ارتفاع منسوب التشدد

الدار البيضاء (المغرب) - الاهتمام بقضايا الهجرة والاندماج أصبح ضرورة فكرية ملحة في ظل تنامي التوترات الناتجة أساسا عن تصادم الهويات والثقافات، والنابعة أيضا من مفاعيل التشدد الديني الذي لم يقتصر على مجال جغرافي محدد. هذا الإيمان بأن هذه القضية تناط بعهدة المراكز البحثية والفكرية دفع بمجلس الجالية المغربية بالخارج إلى تسليط الضوء على قضية الهجرة والتنوع والمواطنة وتحديات العيش المشترك.

مشاركة مجلس الجالية المغربية بالخارج في المعرض الدولي للكتاب في الدار البيضاء في دورته الــ21، كانت متصلة بما يسود المنطقة والعالم من توترات وتشنجات ذات صلة بقضايا الهوية والهجرة وبروز التيارات المتطرفة. لذلك وسم المجلس مشاركته في المعرض بتظاهرة كبرى حملت عنوانا عاما هو ” هجرة، تنوع، مواطنة: تحدي العيش المشترك”، وقدمت أبوابا فرعية تمثلت في عديد الندوات واللقاءات والإصدارات والكتب.

وقدم المجلس مساهمته المشار إليها في المعرض الدولي للكتاب، في الوثيقة التي أصدرها بتوطئة مفادها أنه “باختياره موضوع ‘هجرة، تنوع، مواطنة: تحدي العيش المشترك’ شعارا لمشاركته في الدورة الـ 21 من المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء، يستلهم المجلس الإكراهات الكبرى التي يواجهها مغاربة العالم في دول الإقامة خصوصا مع تنامي التشنجات الهوياتية والثقافية التي يزيد من إذكاء نارها بروزُ المواقف المتطرفة أيا كان مصدرها، وهي تشنجات تؤثر سلبا على الجاليات المغربية المقيمة بالخارج وتزيد حدة التعقيدات التي تواجهها خاصة في بعض الدول الأوروبية”.

وفي اليوم الثاني للتظاهرة التي افتتحت الجمعة الماضي، وبمناسبة صدور كتاب “الإسلام في الإعلام الأوروبي: كيف الخروج من الصور النمطية؟” (حصيلة أشغال ندوة من تنظيم مؤسسة دار الحديث الحسنية ومجلس الجالية المغربية بالخارج) نظم المجلس ندوة بمشاركة كل من أحمد الخمليشي مدير مؤسسة دار الحديث الحسنية، ومصطفى المرابط المكلف بمهمة بمجلس الجالية المغربية بالخارج، وتولى تسييرها جواد الشقوري، حملت ذات عنوان الكتاب.

الإشكال كامن في التصور الثقافي الذي نشكله عن الإسلام وفي الأمية التي تسود العالم الإسلامي

وفي بداية هذه الندوة قال جواد الشقوري، المكلف بمهمة بمجلس الجالية المغربية بالخارج: إن موضوع الكتاب يندرج ضمن اهتمامات المجلس، الذي جعل من المسألة الدينية أبرز اهتماماته. وأشار الشقوري إلى أن المجلس، منذ إحداثه عام 2007، تعامل مع قضايا الدين والجالية ببعد استشرافي، حيث أن أبرز القضايا التي أثيرت بعد أحداث فرنسا في 7 يناير الماضي، قد درسها المجلس وأشرك معه خبراء ومتخصصين وفاعلين وسياسيين وعلماء دين من داخل المغرب ومن خارجه، مشيرا إلى الندوة التي نظمها المجلس كانت بمجلس أوروبا حول تكوين الأطر الدينية، وهو الموضوع الذي بدأ يطرح مؤخرا بشكل كبير.

وذكر أن المجلس مقتنع بضرورة انفتاح المؤسسات الجامعية والعلمية على قضايا الجالية، وهو ما قام به عندما عقد اتفاقية شراكة مع مؤسسة دار الحديث الحسنية، خاصة في تنظيم ندوة دولية حول الإسلام في الإعلام الأوروبي، والتي توجت بإصدار هذا الكتاب الجديد.

وفي سؤال حول ما إذا كان في تراث المسلمين الفقهي ما قد يؤدي إلى كراهية الإسلام والمسلمين وتشكيل صور نمطية عنهما، قال أحمد الخمليشي مدير مؤسسة دار الحديث الحسنية، إن هناك مشكلة في ثقافتنا متعلقة بفهم الإسلام وتقديمه للناس، خاصة وأن هناك من يحاول أن يفهمه انطلاقا من فهم الأجيال السابقة. وفي هذا الصدد قال الخمليشي إن لكل جيل فهمه، مبرزا أن قاعدة “الاجتهاد لا يلغي الاجتهاد” تشكل مشكلا حقيقيا. وأكد الخمليشي أن المشكل يكمن في التصور الثقافي الذي نشكله عن الإسلام وفي الأمية التي تسود العالم الإسلامي، وأنه دون تجاوز هاتين العقبتين فلن نعيد للحياة مجراها في واقع المسلمين. وأشار إلى ضرورة مراجعة طرق التعامل مع التراث الإسلامي، مذكرا بما قام به جزء من المسيحيين عندما تمكنوا من تجاوز جوانب كثيرة من تراثهم المسيحي.

حرية التعبير مسألة ذاتية أما الصور النمطية فهي بالأساس تعبير عن المشترك المجتمعي

ودعا الخمليشي إلى ضرورة رفع سقف المعرفة، موضحا أن المسؤولية في الصورة النمطية عن الإسلام والمسلمين في أوروبا لا يتحملها الفقهاء فقط، إنما الجميع مسؤول ومطالب بتجاوز هذا الوضع.

من جانبه قال مصطفى المرابط: إن الأحداث المتعلقة بتشكيل الصور النمطية عن الإسلام والمسلمين قديمة وإن اختلفت في درجاتها. مشيرا إلى أنها نتيجة وليست سببا، داعيا إلى ضرورة النفاذ إلى أصل المشكلة.

وفي هذا الإطار ذكر المرابط أن الذي يتحكم في الإنسان ليس العقل فقط، وإنما المخيال والمتخيل أيضا، اللذين يتشكلان من رواسب التاريخ والدين وغيرهما من المؤثرات، داعيا إلى أهمية الحفر في “المتخيل الجمعي”، وأنه دون النفاذ إلى المفاتيح التي تتحكم في هذا المتخيل لا يمكن فهم هذه الأحداث.

هذا وأشار المرابط إلى أن حرية التعبير مسألة ذاتية، أما الصور النمطية فهي بالأساس تعبير عن المشترك المجتمعي، وأضاف أنه من مصلحة بعض الجماعات أن تستمر “الجدران” النفسية والذهنية بين الثقافات، داعيا إلى تجاوز هذا الوضع وفهم الآخر كما يُعرف ذاته وليس من خلال الصورة التي تشكلها الذات عن الآخر.

يشار إلى أن كتاب “صورة الإسلام في الإعلام الأوروبي.. كيف السبيل إلى الخروج من الصور النمطية؟” هو كتاب جماعي باللغة الفرنسية أصدره المجلس بمناسبة المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء، وضم أشغال الندوة العلمية التي نظمتها مؤسسة دار الحديث الحسنية بشراكة مع مجلس الجالية المغربية بالخارج يوم 21 ماي 2014 بالرباط.

13