ندوة في معرض أبوظبي لمناقشة كتاب "رحلات أبي دلف"

قديما عندما لم يكن العالم متواصلا بالتكنولوجيا ولم يكن التنقل يسيرا كما هو حاله اليوم، كان على من يرغب في معرفة حال البلدان الأخرى والاطلاع على تفاصيلها وحضاراتها وثقافتها، أن يقرأ ما كتبه الرحالة، أو ما يمكن وسمه بـ”أدب الرحلات” الذي يصور فيه الكتّاب رحلاتهم بأساليب مختلفة، فيقدمون صورا مميزة عن الأماكن التي ارتادوها والشعوب التي لاقوها. لكن في الرحلات هنا غالبا ما تتمازج في الصور المنقولة أساليب الوصف التي تختلف وفق نظرة الكاتب نفسه ما يضعنا أمام برزخ فاصل بين الحقيقة والخيال. ومازال أدب الرحلة يمثل مجالا أدبيا ثريا.
السبت 2017/04/29
الرحالة العرب سفراء الثقافات والحضارات

أكد الشاعر نوري الجراح أن سلسلة كتب الرحلات العربية إلى العالم ضمن جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي تهدف إلى بعث واحد من أعرق ألوان الكتابة في الثقافة العربية، من خلال تقديم كلاسيكيات أدب الرحلة، إلى جانب الكشف عن نصوص مجهولة للكتاب والرحالة العرب والمسلمين الذين جابوا العالم ودونوا يومياتهم وانطباعاتهم، ونقلوا صورا لما شاهدوه وخبروه في أقاليمه القريبة والبعيدة.

أدب ثري

قال نوري الجراح في الندوة التي أقيمت ضمن فعاليات معرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته الـ 27 لمناقشة كتاب “رحلات أبي دلف.. مسعر مهلهل الخزرجي الينبوعي” الفائز بجائزة ابن بطوطة لتحقيق المخطوطات 2016 ـ 2017 بتحقيق الشاعر والناقد العراقي شاكر لعيبي، إن “جائزة ابن بطوطة تواصل التوقعات المتفائلة لمشروع تنويري عربي يستهدف إحياء الاهتمام بالأدب الجغرافي من خلال تحقيق المخطوطات العربية والإسلامية التي تنتمي إلى أدب الرحلة والأدب الجغرافي بصورة عامة من جهة، وتشجيع الأدباء والكتاب العرب على تدوين يومياتهم المعاصرة في السفر وحض الدارسين على الإسهام في تقديم أبحاث ودراسات رفيعة المستوى في أدب الرحلة”.

أوضح الجراح أن هذه السلسلة أسست وللمرة الأولى لمكتبة عربية مستقلة مؤلفة من نصوص ثرية تكشف همة العربي في ارتياد الآفاق واستعداده للمغامرة من باب نيل المعرفة المقرونة بالمتعة، وهي إلى هذا وذاك تغطي المعمورة في جهات الأرض الأربع وفي قاراتها الخمس وتجمع نشدان الآن وعالمه.

وحول كتاب “رحلات أبي دلف” كشف الجراح أنه لا يعرف لأبي دلف سوى رحلتين أو رسالتين، الرسالة الأولى والرسالة الثانية، واحدة تروي وقائع رحلة إلى الصين والثانية إلى آسيا الوسطى وأرمينيا، لم تنشرا في كتاب واحد يضمهما، وهذه هي المرة الأولى التي يقوم فيها باحث بتحقيق للعملين في كتاب استكمالا لجهود سابقة بذلت من قبل الباحثين في حقل الأدب الجغرافي العربي.

وأكد الجراح أن الشاعر والناقد العراقي شاكر لعيبي رجع إلى كل ما حقق وكل ما تداوله الباحثون في دراساتهم ومؤلفاتهم، ورجع إلى المتون الأصلية للرحلتين كما وردتا في المخطوطات وفي متون المظان العربية، ليخرج لنا بتحقيق جامع مانع لأثر بالغ الأهمية في المكتبة الجغرافية العربية. فقد بذل لعيبي لأجل ذلك جهدا مضنيا دام سنوات وقد قام بهذا العمل بطلب من المركز العربي للأدب الجغرافي، ولذلك استحق عن عمله هذا جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة- فرع التحقيق.

وللعيبي إسهامات مهمة بارزة في الشعر وعلم الاجتماع الفني والنقد الفني التشكيلي، وأخيرا تحقيق مخطوطات الرحالة ومنها الكتاب موضوع الندوة، وله أيضا: رحلة ابن فضلان، ورحلة المقدسي.

الكذب والحقيقة

بدوره قال شاكر لعيبي في الندوة “عُرفت لأبي دلف رحلتان اثنتان، أو رسالتان، الرسالة الأولى والرسالة الثانية، لم تنشرا أبدا في كتاب واحد يضمهما. الرسالة الأولى: وهي رحلة إلى الصين والهند، حققت ونشرت باللغة العربية مرتين: المرة الأولى في كتاب عنوانه ‘تحقيق المخطوطات بين النظرية والتطبيق‘ لمؤلفيه فهمي سعد وطال مجذوب. والنشرة الثانية للرسالة الأولى قام بها مريزن سعيد مريزن عسيري تحت عنوان “الرسالة الأولى لأبي دلف مسعر بن المهلهل الخزرجي: دراسة وتحقيق”، وهو تحقيق جاد أيضا إلى حد كبير، رغم أن المحقق يذكر في هامش وضعه في مقدمته أن لا أحد قبله قام بتحقيقها سوى المستشرق شاوتزير في برلين عام 1845 نقلا عن إحدى النسخ المخطوطة لعجائب المخلوقات للقزويني”.

أدب الرحلة نصوص ثرية تكشف همة العربي في ارتياد الآفاق واستعداده للمغامرة من باب نيل المعرفة المقرونة بالمتعة

ولفت لعيبي إلى أن الرسالة الثانية هي رحلة إلى آسيا الوسطى وأرمينيا ظلت مدة طويلة منسيّة ولم تلقَ اهتماماً جدّياً. وتحدث لعيبي عن الحقيقي والخيالي في رحلات أبي دلف، حيث قال “إن أبا دلف كان يستخدم معلومات منقولة عن مصادر ثانوية من مختلف ناقلي الأخبار، وبناء على رسالته الأولى فإن مثل هذا الأمر ليس بمستغرب عنه”.

لكنه أكد أنه لا يمكن التشكيك في زيارته لبعض الأماكن. فمثلا لو أنه وصل بخارى، كما يقول هو نفسه، فلماذا نشكك في مروره على خوارزم التي لا تبعد عنها إلا بأربع مئة وخمسين كيلومترا تقريبا؟ مفازة خوارزم هي التي أثارت في المقام الأول الريبة لدى المحققين الروسيين وكراتشوفسكي، اللذين شككا في حقيقة بعض رحلاته. لكن عبارة الرجل شديدة الوضوح “وسرت منها في مفازة خوارزم، فرأيت بها آثارا كثيرة لجماعة من ملوك العرب والعجم، وأشجارها وغياضها كثيرة جدا يقع فيها ثلج”، إنه لا يتحدث عن زيارته لمدينة خوارزم الممكنة مع ذلك من جهة، ويتحدث من جهة أخرى عن المفازة التي هي في اللغة: “البرية القفر”.

وأوضح لعيبي أن السياق الذي اشتغلت فيه الحضارة الإسلامية لم يستطع أن ينجو بشكل عام من الخرافة، أما على الصعيد الأدبي، ثم السردي في أنواع محددة كأدب الرحلة، فقد كان هناك على الدوام خلط بين الواقعي والغرائبي. يستجلب الأخير استجلابا بناء على شرط ثقافي عام راغب في التصديق، ومن قبل الأطراف جميعا، منتجي النصوص ومتلقيها، وبطريقة مفرطة أحيانا، مقبولة عرفيا. قال أبوالعباس المبرد عن “تكاذيب الأعراب”: تكاذب أعرابيان فقال أحدهما: خرجت مرة على فرس لي فإذا أنا بظلمة شديدة فيممتها حتى وصلت إليها، فإذا قطعة من الليل لم تنتبه فمازلت أحمل بفرسي عليها حتى أنبهتها، فانجابت. فقال الآخر: “لقد رميت ظبيا مرة بسهم فعدل الظبي يمنة، فعدل السهم خلفه، فتياسر الظبي فتياسر السهم خلفه، ثم علا الظبي فعلا السهم خلفه، فانحدر، فانحدر عليه حتى أخذه”.

نحن هنا في مقام الكذب الذي صار لعبة اجتماعية للمخيلة، بينما نحن في مقام الغرابة والمدهش في أدب الرحلات، وبينهما يقف حدّ واه لكن جوهري: الأول خيال محض، والثاني خيال مسنود بالسرد وبما يمكن أن يكون واقعا بعيدا، شعبا، بلدا، حيوانا، أو غير ذلك مما هو في غير متناول المتلقين الذين يقبلون طواعية بغرابته طالما يخاطب متطلبات المتخيل لديهم. ثمة تواطؤ ثقافي يجد له في الجغرافيا وأدب الرحلة مكانا خصبا.

متعة المعرفة ولذة الخيال

وقال لعيبي إن “أنطولوجيا الغرائبي في الأدب الجغرافي العربي” التي يقوم بإنجازها ستبرهن على أن غواية الغرائبي لم يسلم منها أغلب الكتاب التراثيين، بدءا من نواخذة السفن والتجار المسافرين في القرن التاسع الميلادي ثم كبار البلدانيين في القرنين العاشر والحادي عشر، مرورا بالعجائب التي يرويها المسعودي في بعض كتبه وهو شيخ المدققين المحترسين، وليس انتهاء ببقايا من الغرائبي هذا عند البيروني المادي العقلاني في “تحقيق ما للهند”.

بعض الغرائبية أدهى مما ورد في رسالتي أبي دلف، لكنها لم تثر الأسئلة ذاتها التي قيلت بشأن هذا الأخير. من الصعب تفسير ذلك سوى بالزعم أن إيمانه العميق هو نفسه بالغرائب وخواص المعادن الثمينة والخوارق والخيمياء لم يؤخذ بعين الاعتبار. لم يؤخذ أيضا على محمل الجد نزوعه الشعري وطبيعة سرده الأدبي الانطباعي عن البلدان التي زارها، وطولبت كتاباته لذلك بالصرامة المنهجية والرياضية والتقعيد.

وأكد الناقد أن ما يستشف من رسالتي أبي دلف “لا يدل على اختلاق. مساراته معقولة وإن لم يتقيد بتدوينها مثلما وقعت. رحلاته واقعية وجل البلدان التي يذكرها معروفة وفي رقعة شاسعة لكن محددة، وإن قفز نصه أحيانا من مكان لآخر. لم يحسب حساب كذلك لإمكانية وجود نص ضائع كامل من رحلاته، ولم تحلل بعض مفرداته على أنها تصحيف من طرف النساخ. وهنا بعض الجهد الذي تحاوله طبعتنا الحالية”.

وأضاف لعيبي “إذا ما أشرنا إلى التصحيف ومنحناه أهمية استثنائية، فلأنه قد غير، على نحو معين، طريقة قراءة الرحلة، وجعل الشك يحوم حول بعض روايات الرجل، ولأنه يضرب مفاصل أساسية فيها”.

وأشار لعيبي إلى أن أبا دلف الخزرجي ينحدر من قبيلة عربية عريقة، فنسبته تعود إلى الخزرج بالمدينة المنورة، أما لقب الينبعي فهو نسبة إلى مدينة ينبع على ساحل البحر الأحمر، ويوصف أيضا بالينبوعي.

15