ندى منزلجي: لندن مدينتي التي لا أرجو أن تكون الأخيرة

الشعراء هم أولئك الذين لا يجدون لهم بأرض مستقرا، كما ورد في بيت شعري شهير للمتنبي، فالشعراء بأرواحهم الشفافة وقلوبهم الخافقة هم ملك للشعر أينما يتجه يأخذهم معه ليكونوا أعين الآخرين، أرواحهم وقلوبهم تجاه هذا العالم المتقلب. لذلك ينتصر الشاعر دائما للمظلومين والبسطاء ولأشد أجزاء الحياة بساطة. وهذا ما تراه الشاعرة السورية ندى منزلجي التي التقتها “العرب” وكان لنـا معهـا هـذا الحـوار حـول الشعر والوطن.
الخميس 2016/01/21
أنا مؤمنة شرسة بالحرية

برغم كل الانفجارات التي تحدث داخل نصوصها أو لغتها، إلا أنها لا تمتلك ذاتا مدوية، حال الكثير من الشعراء، لكن ندى منزلجي الشاعرة والإنسانة معا لا تعيش على ضفاف الشعر أو تخومه، بل هي في خضم أمواجه ورياحه وعواصفه التي لا تنتهي، ورغم أنها مقلة في النشر حيث صدر لها “قديد فل للعشاء” (2002) ومؤخرا صدر لها “سرقات شاعر مغمور” (2015)، إلا أنها تكتب بكثافة وتختار لحظتها الشعرية بعناية وحرص شديدين، بعد سنوات طويلة من رحلة الشعر والكتابة والعمل الصحفي.

انتحال صريح

ندى منزلجي هي ابنة ناديا شومان، الروائية السورية، تقول: كل ما أفعله وفعلته في حياتي ما كتبته، ولن أكتبه يوما، ليس إلا محاولاتي الصادقة، وليست دائما الناجحة، لاكتشاف نفسي بصدق. تلك الشاعرة التي تدين بوجودها للشعر ورغم ذلك لديها من الشعر ما يجعلها تخجل من أن تجاهر بذاتها الشاعرة. تقول: لماذا أكتب؟ لا أعرف نفسي إلا ككاتبة، إنه التطور الطبيعي لتلك الطفلة التي كنتها. الطفلة المسحورة بصوت أمها وهي تقرأ على مسامع أطفالها جزءا من رواية تكتبها.

تقول ضيفتنا: في طفولتي كنت أريد أن أدرس الطب، لأنني بطريقة ما اعتبرته مدخلا إلى الكتابة بقدر ما يتيح لك التعرف على النفس البشرية في أصدق حالاتها، في ذلك الوقت كنت أظن أن لديّ ما أقوله، كنت أريد أن أترك أثري في هذه الحياة. بدأت بكتابة الشعر في العاشرة من عمري، كنت أكتب عمّا لا أفهمه حقا، عن الحب، والوطن، وكان انتحالا صريحا، ولكنني كنت أصدق نفسي كشاعرة.

الشاعر هو الحالم بأن يجعل من فرديته وفهمه للأشياء حالة شعورية فنية ولغوية خصوصية لكنها تعني الآخر

صدمة وبدايات

وتتذكر الشاعرة قائلـة: كنت أكتب الشعـر في مدرج كلية الهنـدسة وأنـا أحضر دروس الإنشاءات ومقـاومة المـواد، إلى أن تجرأت مرة وحملت دفتري وذهبت إلى الشاعر منذر مصري، وكان حينها يملك مكتبـة اسمهـا “فكر وفن” لأعرض عليه قصـائـدي متبـاهيـة، وأسـأله عـن دار نشر؛ أنا نـدى منـزلجي شـاعـرة المـدرسة، وشاعرة الهندسة المدنية التي تضج لها القاعة بالتصفيـق في حفلات الكلية. لكن منذر الذي لـم يـدرك حينهـا أنـه أمـام شاعـرة مكـرسة، أعطاني بعض المـلاحظـات، ولـم أشعـر حينها أنه شديد الإعجاب بقصائدي كمـا يفتـرض. حزنت جـدا، ولم يكـن أمـامـي إلا أن أصـدّق أن منذر مصري أصـلا لا يعجبني كشاعر.

الشعر والمنفى

تضيف منزلجي: لكن في الحقيقة كانت الهزة قوية، بحيث أيقظتني من يقيني. انكمشت وتوقفت عن كتابة الشعر لعدة سنوات. الجميل في الموضوع أن تجربتي الأولى المتأخرة مع النشر والتي أتت لاحقا كانت بفضل الشاعر/ المجرم نفسه. صديقي العزيز منذر مصري الذي أرسل إحدى قصائدي إلى مجلة المدى، وفاجأني بها منشورة. كان ذلك بعد أن كنت راكمت قراءات وتجارب خلصتني تماما من يقيني، وجعلتني أنطلق من فكرة أنني لا أعرف حقا إن كان ما أكتبه، هو شعر أم لا.

الشعر هو تكثيف العالم والثورة على كل مسلماته

“إنني ماهرة في التأجيل. وما ينجو من حفلات التمزيق، والشطب، وشتى أنواع التنكيل التي أمارسها ضد نصوصي، قد يختنق ولا يجد طريقه إلى النشر أبدا. لديّ ملفات كثيرة وقصائد جاهزة، بانتظار العمل عليها أو نشرها، أكتب لأنني أحتاج إلى الكتابة وأحبها، وأنشر، لكن ذلك ليس غاية بالنسبة إليّ”. هكذا تتحدث منزلجي بمنتهى العفوية والتلقائية عن تأخرها في نشر قصائدها.

وتتحاشى ندى منزلجي أن تجد تعريفا للشعر ومع ذلك تحاول بالعفوية ذاتها: هل حقا تصدّق بأنني سأجد تعريفا له؟ ربما هو تلك المغامرة الجامحة في فضاءات اللغة والعاطفة والذكاء والخيال، هو تكثيف العالم، والثورة على كل مسلماته في آن، شهقة حرة، موجعة، وطروب خارجة من الروح، من اللاوعي. والشاعر هو ذلك الحالم بأن يجعل من فرديته وتفاصيله وفهمه للأشياء حالة شعورية فنية ولغوية خصوصية جدا، لكنها تعنيك أنت أيضا وتورطك وتكشفك بقدر ما تكشف صاحبها. أما القصيدة، ربما هي الموسيقى الناتجة عن تعرية الروح في تلك اللحظة.

أقنعة هشة

الشاعرة ندى منزلجي هي المؤمنة الشرسة بالحرية، كما تقول ضيفتنا، تركت وطنها عام 1998 هربا من سقف واطئ بكل المعايير وفق تعبيرها، وتواصل: صعب بالنسبة إليّ أن يمضي العمر في زاوية واحدة من العالم مهما كنت تحبها، فكيف في زاوية مخنوقة وخانقة.

وتستطرد قائلة: أصبحت لندن وطني الكريم الثاني، الذي أحبه وأقدره ولكن أتمنى أن لا يكون نهائيا. مازلت أنتمي إلى وطن حقيقي بدئي ونهائي اسمه سوريا، وهذا ليس قابلا لإعادة النظر.

تتحدث منزلجي بشيء من الأسى عن شعراء صدمت بهم شخصيا مثل نزيه أبوعفش وأدونيس على سبيل المثال لا الحصر، إذ تقول “الشعر ثورة بحد ذاته، أغنية أرواح حالمة بالحرية، لا يستقيم الشعر مع تغييب الضمير لصالح المكاسب الشخصية، لا يستقيم مع الخنوع وحساب الانتماءات الضيقة”. وهي التي ترى أن في هذا النوع من المواقف، تنكرا جذريا لمعنى الشعر بحسب تعبيرها.

على المثقف اليوم أن يقف ضد التجييش الطائفي وإقصاء الآخر والتقسيم الفئوي وأن يعمل على إيصال صوت المظلومين

وتضيف بنبرة حاسمة: ما عاد الاختباء وراء التغريب ممكنا والالتفاف على الموقف ترفعا عن الآني. الشاعر الذي يدير وجهه عن حلم الشعب، ووجع الشعب، ودم الشعب، ليس له أن يتحدث باسمه ولا أن يكتب له ولا أن يمثله، وبالتالي ربما عليه ألا ينتظر أن يجد قراءه من بين هذا الشعب أيضا.

كما توضح منزلجي أن المثقف بحاجة اليوم إلى إعادة تعريف، حيث برأيها أن على المثقف اليوم أن يقف ضد التجييش الطائفي وإقصاء الآخر والتقسيم الفئوي وأن يعمل أكثر من أي وقت على المضي لإيصال صوت الضحايا والمظلومين، بشكـل عملي وليـس تنظيريا فقط.

وتتحدث ضيفتنا عن وطنها قائلة: أرتجف خوفا على سوريا، خوفا من مزيد التدمير والتهجير والتقسيم. لكن ورغم المعطيات الكارثية لا شيء يستطيع أن يقتلع مني إيماني بهذا الشعب العظيم الذي اجترح المعجزات، وبحتمية سوريا كدولة حرة ديمقراطية تعددية موحدة. ربما ليس بالمنظور القريب، ولكن الشعوب دائما تنتصر، هكذا يقول التاريخ.

15