"نديمة" مونودراما سورية تبحث عن التطهير في زمن الوجع

الجمعة 2014/10/24
العرض المسرحي رسم للمعاناة الحالية في سوريا

دمشق - هي ليست “الأم شجاعة” وليست صيغة درامية جديدة تحاول تجاوز بريخت، بل هي توليف لنص غير متماسك يحاول استثارة عواطف الجمهور بأداء مختلف الإيقاع، وكلام يتراوح ما بين الثرثرة والشعر المحكي واستعادة صور نمطية وكليشيهات، تختزل المسرح السوري الذي لم يعد قادرا على تقديم أي جديد إلاّ في حالات نادرة.

مونودراما “نديمة” تأليف وإخراج علي صطوف، ومن أداء روبين عيسى على خشبة مسرح القباني في دمشق. في نديمة ما زالت الصيغة التقليدية لبداية أي عرض سوري موجودة، حيث يعلو الدخان ليغرق الجمهور في السعال والدموع على أنغام موسيقى أم كلثوم، لتتكشف بعدها الخشبة عن فضاء بسيط، مؤسلب.

يظهر قبو تعيش فيه نديمة التي تعمل مسؤولة عن غسيل ثياب سكان البناء الذي سمح لها (أبو غازي) -أحد السكان- أن تعيش فيه مقابل خدماتها هذه، حيث يشكل الفضاء من حبال للغسيل تعتمد عليها نديمة في نشر الثياب، كصيغ بصريّة لافتضاح ما يدور في خلدها، ووصف معاناتها منذ أن كانت صغيرة حتى وصلت لحالتها هذه.

نراها طفلة وأما وراقصة شرقية أو فتاة تحلم بطفل كي تداريه وتغني له، لكن كل هذه المعاناة تبدأ بفعل يمكن وصفه بالمباشر، حيث تجلس نديمة على برميل حاملة هويتها الشخصية السورية، وتملأ خانتها بكلمة “سوري”، ثم تقوم وتلقيها في غالون للمياه على يمين الخشبة، وكأن لا فائدة منها، وكأن كل شيء قابل للضياع حتى الهوية.

يتخلل العرض تقمصات تمر بها نديمة، حيث تتداخل الأزمنة لتلعب عدة شخصيات كل منها يمثل تجارب مرّت بها تستدعيها الأغراض على الخشبة، إلا أن المشكلة تكمن في اللغة التي تحملها سواء نديمة أو الشخصيات التي تتقمصها.

فهي تتراوح بين الشعر المحكي في محاولة لمقاربة شعرية لليومي الذي يغرق أحيانا في الابتذال، أو الثرثرة التي لا تحمل معنى أو تصل أحيانا إلى مستوى التهريج أو النواح، النواح الذي يتخلله شعر العراقي مظفّر النواب في قصيدة عن (الحزن).

على يمين الخشبة صليب معلّق تستخدمه نديمة لتتقمص صورة أمّها التي تدعو للعذراء بأن يهبها ذكرا كي تسميه (عبدالرزاق محمد علي أنطوان)، ثم تبدأ بعدها المياه بالانهمار.

المسرح يغرق بالمياه المنتشرة في كل مكان، وهو مفهوم تقليدي لأرسطو في التطهير، مفهوم نظري قائم على أساس الحالة التي تصيب الجمهور بعد المشاهدة بسبب أفعال الشخصيات.

لكن يبدو أن مستوى “التجريب” في المسرحية حاول أن يرتقي بالتطهير إلى صيغته المادية حيث المياه تغسل وتطهّر كل شيء، حتى جسد نديمة الذي يغرق في المياه وزيادة على ذلك “الغيستوس” الذي تقوم به كل حين، حيث تقوم بتنظيف يديها.

ما لا يمكن إنكاره هو تكوين فضاء العرض والإضاءة، حيث يبدو متماسكا وذو صيغة فنية قادرة على خلق الإيهام، لولا الإيقاع المتفاوت الذي تخلقه الممثلة بأدائها، بالإضافة إلى الاتزان البصري الذي يحويه فضاء العرض، ما يجعل الفضاء هو أكثر ما يدعو للتأمل في العرض.

17