نديم الجميل هل يكرر تجربة توحيد "المقاومة المسيحية"؟

ذاكرة اللبنانيين تحتفظ لبشير الجميّل والد نديم بصورة لا يمكن محوها بسهولة، فهو بالنسبة للبعض رمز "للمقاومة اللبنانية" التي كانت في حينها "مسيحية" بمواجهة الفلسطينيين.
الخميس 2019/03/14
سياسي لبناني شاب يحسب له نصرالله ألف حساب

يحاول النائب الشاب نديم الجميّل، الذي يدخل إلى الندوة البرلمانية للدورة الثانية على التوالي، أن يرسم لنفسه مسارا سياسيا شبيها بمسار والده الرئيس الراحل الشيخ بشير الجميّل، معتمدا على ذاكرة اللبنانيين التي تحتفظ للأب بصورة لا يمكن محوها بسهولة، فهو بالنسبة للبعض رمز “للمقاومة اللبنانية” التي كانت في حينها “مسيحية” بمواجهة الفلسطينيين، وهو بالنسبة للبعض الآخر لغز لا يمكن التنبؤ بما كان يمكن أن يكون عليه لبنان لو قيّض له إكمال ولايته التي لم تبدأ أصلا، حيث تم اغتياله قبل أن يقسم اليمين الدستورية في 14 سبتمبر 1982 قبل تسعة أيام من الموعد الدستوري لتولّي مقاليد الرئاسة.

ونديم الذي يظهر في الآونة الأخيرة متمرّدا وثائرا على السياسة التقليدية لحزب “الكتائب” الذي ينتمي إليه، وهو الحزب الذي أسسه جدّه الراحل الشيخ بيار، والذي يرأسه حاليا ابن عمه النائب سامي الجميّل، يعيد إلى الأذهان الانتفاضة التي قادها والده ضد السياسات التي كانت تنتهجها الأحزاب المسيحية التقليدية خلال الحرب الأهلية في أواخر سبعينات القرن الماضي، ودفعته إلى خوض المغامرة العسكرية في وجهها رافعا شعار توحيد “البندقية المسيحية”، وتأسيس “القوات اللبنانية” التي تحوّلت إلى حزب يرأسه اليوم سمير جعجع.

تناقضات تخرج المفاجآت

 الجميّل بتمرده وثورته على السياسة التقليدية لحزب “الكتائب” يعيد إلى الأذهان انتفاضة والده وخوضه مغامرة عسكرية تحت شعار توحيد “البندقية المسيحية”بالتشارك مع صديقه سمير جعجع
الجميّل بتمرده وثورته على السياسة التقليدية لحزب "الكتائب" يعيد إلى الأذهان انتفاضة والده وخوضه مغامرة عسكرية تحت شعار توحيد “البندقية المسيحية”بالتشارك مع صديقه سمير جعجع

المثير أن حزب “الكتائب” الذي تعرّض لانقسامات وانتفاضات داخلية شتّى كادت أن تطيح به من المعالة السياسية الداخلية عقب نفي رئيسه السابق الرئيس أمين الجميّل، عاد ليتوحّد على يد نجله النائب الشهيد بيار الجميّل الذي جمع “المعارضات” الكتائبية المختلفة ليعيد بناءه على الشكل الذي كان عليه “حزب المؤسس”، في وقت تعرّض فيه حزب “القوات اللبنانية” إلى انتفاضات مختلفة انتهت بدخول رئيسه الحالي جعجع إلى السجن. وتم حظر الحزب رسميا بعدها، وكل ذلك كان يحصل إبّان الهيمنة السورية على لبنان، فأصبح تاريخ الحزبين موسوما بحركات الانتفاضة.

وما مواقف نديم الأخيرة سوى صورة حديثة قديمة لحركات الانتفاضة التي شهدها حزب “الكتائب” في تاريخه، فتراه يوما ينتقد، علنا، خلال اجتماعات المكتب السياسي للحزب المواقف التي ينتهجها الحزب في التحالفات التي اختار عقدها خلال مرحلة الانتخابات النيابية والتي شهدت تراجع عدد نوابه. ويسأل في حالة أخرى عن مصادر تمويل الحزب والمؤسسات التي يديرها وكيفية صرفها، ويدعو إلى انتخاب رئيس للكتائب مباشرة من الكتائبيين، كل ذلك وابن عمه سامي هو من يرأس الحزب.

مصدر قلق لحزب الله

الأمر الأهم في انتفاضة الجميّل هي أن تاريخ حزبه الذي كان في طليعة المقاومين لما يسمّيه “الاحتلالات الأجنبية” للبنان، وهو يعني بذلك التواجد الفلسطيني ثم السوري في لبنان، وأول المدافعين عن الشرعية وسيادة الدولة، حيث كان المتعارف عليه أن “الكتائب” هو “حزب الدولة”، تراجع كثيرا في الآونة الأخيرة ولم يعد يرفع هذه الشعارات خصوصا في وجه “حزب الله”.

وبذلك يحوّل الجميل الأنظار من معركة “الكتائب” النيابية مع “حزب الله” إلى معركة “الكتائب” الداخلية، وذلك عبر هجومه المبرمج على قيادة سامي الجميّل.

خلال جلسة منح الثقة للحكومة التي شكّلها الرئيس سعد الحريري وأثناء إلقاء سامي الجميّل كلمته، فجّر نديم موقفا سياسيا حادا بعد مداخلة من نائب “حزب الله” نواف الموسوي مقاطعا كلمة الجميّل.

فبعدما قال سامي الجميّل إنّ “حزب الله” هو المقرر الأساسي في الحياة السياسية اللبنانية وهو من أوصل الرئيس ميشال عون إلى بعبدا، مستشهداً بكلام وزير الخارجية جبران باسيل خلال الذكرى الـ13 لاتفاق مارمخايل، ردّ الموسوي على الجميّل مقاطعا “من المشرّف أن يصل العماد عون إلى الرئاسة بدعم من بندقية المقاومة، في حين وصل غيره على ظهر الدبابة الإسرائيلية”.

لم تنزل مداخلة الموسوي بردا على قلب ابن بشير الجميّل، فدعا بعد ظهر اليوم نفسه إلى تجمع حاشد في منطقة الأشرفية ارتفعت خلالها الأصوات المذكّرة بالحرب الأهلية وتاريخ “المسيحيين” المقاوم وقدرتهم على حمل السلاح مجدّدا، ما أوصل درجة التوتر إلى حد خشي معه الكثيرون من انفلات الأمر، والعودة إلى لغة السلاح الأمر الذي يطيح بالبلد برمّته.

غير أن “حزب الله” الذي استشعر خطورة ما أقدم عليه الموسوي، اعتذر في اليوم الثاني على لسان رئيس كتلته النيابية النائب محمد رعد، ولم يكتف بهذه الخطوة بل أقدم على إصدار قرار بتجميد نشاط الموسوي برلمانيا لمدة سنة.

وتابع الجميل مساره التصعيدي حيث كتب في الذكرى الرابعة عشرة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري عبر موقع “تويتر”، قائلاً “رفيق الحريري، كما بشير وشهداء ثورة الأرز استشهدوا من أجل قضية واحدة هي حرية وسيادة واستقلال لبنان، لكن للأسف ما زال السلاح الذي قتلهم متفشيا والقضية مستمرة”.

الجميّل من مواليد الأول من مايو في العام 1982 وهو الابن الثالث لبشير بعد مايا التي اغتيلت حين كان عمرها 18 شهرا بحادث سيارة مفخخة كانت تستهدف والدها، ويمنى.

بعد انتهائه من المرحلة الثانوية انتقل إلى فرنسا ليتابع دراسة القانون، وفي عام 2004 تخرّج من جامعة باريس الثانية، وعاد إلى لبنان ليكمل دراسته في الجامعة اللبنانية وتخرّج منها بشهادة في القانون المدني اللبناني. انضم بعد ذلك إلى مكتب للمحاماة يملك فروعا في لبنان والمنطقة العربية، وفي العام 2005، قرّرت والدته صولانج التمهيد لعمل نجلها السياسي بالترشح إلى الانتخابات النيابية عن المقعد الماروني في دائرة بيروت الثانية، وتخلّت عنه في دورة العام 2009 ليفوز به نجلها نديم ثم يكرر الأمر نفسه في الانتخابات الأخيرة.

عودة بشير

مواقف نديم الجميّل تعكس روحا مختلفة، فمرة تراه ينتقد تحالفات الحزب وتراجع عدد نوابه. ومرة يسأل عن مصادر تمويل مؤسساته، ومرة يدعو إلى انتخاب رئيس له مباشرة من الكتائبيين
مواقف نديم الجميّل تعكس روحا مختلفة، فمرة تراه ينتقد تحالفات الحزب وتراجع عدد نوابه. ومرة يسأل عن مصادر تمويل مؤسساته، ومرة يدعو إلى انتخاب رئيس له مباشرة من الكتائبيين

واقعيا، بدأ نديم الدخول إلى عالم السياسة أثناء فترة التواجد السوري في لبنان، وذلك من خلال المشاركة في التظاهرات المناهضة للقيادة السورية، وتنظيم الاعتصامات مع الفصائل الأخرى المناهضة للسوريين داخل الجامعات. وكانت أبرز مشاركاته في المظاهرات التي أعقبت إغلاق محطة “أم تي في” عام 2002، حيث كان في مقدمة المظاهرة لإعادة فتحها، وكادت قوات الأمن تقبض عليه.

بعد اغتيال الحريري في العام 2005 واندلاع المظاهرات ضد القوات السورية في لبنان وضد رئيس الجمهورية الأسبق إميل لحود ورئيس الحكومة عمر كرامي، ووصول هذه المظاهرات إلى ذروتها في 14 مارس لتشكّل ما عرف لاحقا باسم ثورة الأرز، كان الجميّل من بين المتظاهرين الذين أقاموا الخيام في ساحة الشهداء، مطالبين باستقالة الحكومة ومسؤولي الأمن والانسحاب الكامل وغير المشروط للقوات السورية، وإنشاء لجنة دولية للتحقيق في اغتيال الحريري والسياسيين المغتالين في الماضي.

ورغم بداية الجميّل “المتعثرة” من الناحية الخطابية في البرلمان، إلا أنه كان يظهر في كل مشاركة له في إحياء ذكرى اغتيال والده في الأشرفية، “كنجم” يبشّر بمستقبل “شعبي” لأنه كان يذّكر الحشود “شكلاَ وصوتا” بوالده، وهو من خلال توليه رئاسة “مؤسسة بشير الجميّل“ تمكّن من التعرّف على والده الذي لم يتمكّن من معاصرته، إذ اغتيل ولم يتجاوز عمر نديم الأربعة أشهر.

ويحيط الجميّل نفسه بمستشارين مخضرمين في السياسة اللبنانية أمثال جوزيف توتونجي وألفرد ماضي، وأثناء الزيارة الأخيرة إلى نقابة المحررين برفقتهما، بدأت ملامح “النضج” السياسي عليه واضحة، أكان ذلك من حيث قدرته على الدفاع عن مواقفه وقناعاته، أو من خلال التطوّر الذي طال خطابه السياسي.

ولفت الجميّل الأنظار أكثر من غيره بمشاركته في الاحتفال السياسي والشعبي الكبير الذي أقامه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط في المختارة مؤخرا، على شرف الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، لما تعنيه هذه المشاركة على مستوى تعزيز المصالحة التاريخية بين أبناء الجبل.

يستمر نديم الجميل في معركة الحشد والتجييش الشعبي لصالحه عبر لعبه على وتر السياسة المباشرة القادرة على جذب الشباب وتلبية رغبة قدامى الكتائبيين، لكن هل سينجح؟

12