نذر الانكماش القطري في أفريقيا

تلقّت قطر صفعة قوية عندما أعلنت جيبوتي وإريتريا اصطفافهما خلف المملكة العربية السعودية وشركائها في قرار مقاطعة الدوحة. ووشى بحدة وقع الموقف على الدوحة سرعتها في اتخاذ قرار سحب قواتها من الحدود بين إريتريا وجيبوتي حيث تلعب قطر دور الوسيط في خلاف بين البلدين. قرار جيبوتي وأسمرة يكشف أن الأموال التي صرفتها قطر لاستقطاب فواعل أفريقية من الدول والجماعات المتمردة والتنظيمات المسلحة لم يضمن لها خضوع تلك الأطراف لولائها التام، ما يعني أن تواجدها الذي سعت إلى ترسيخه في العمق الأفريقي ليس بالمتانة التي تضمن لها الاستقرار والاستمرار.
الأحد 2017/07/09
تقلص النفوذ القطري المخرب في أفريقيا

كشفت الأزمة القطرية عن أبعاد متنوعة منها ما يتعلق بمنطقة الخليج مباشرة، ومنها ما يتعلق بمناطق قريبة منها وتمثل ركيزة أساسية لبعض دولها، وخلال الأيام الماضية حاولت قطر الاستفادة من أوراقها مع الحركات الإرهابية والدول التي تقف خلفها في أفريقيا والتدخل في شؤون بعض دولها بذريعة الوساطة السياسية.

وفتحت الأزمة المجال أما احتمالين، الأول أن يتزايد الانكماش القطري في الخارج ومن بينها القارة السمراء، والآخر تمديد خيوط التواصل مع كل من تركيا وإيران والتنسيق مع كليهما للاستفادة من وجودهما في أفريقيا، لكن المؤشرات الراهنة تميل تجاه الاحتمال الأول.

يشكل انسحاب قوات قطرية من أراض حدودية متنازع عليها بين دولتي جيبوتي وإريتريا في الـ14 من يونيو الماضي، مؤشرا لانعكاسات المقاطعة الخليجية-العربية على الدوحة في القارة الأفريقية. وجاءت الخطوة القطرية على خلفية مواقف داعمة لكل من جيبوتي وإريتريا لقرار المقاطعة العربية، فبينما خفضت الأولى تمثيلها الدبلوماسي تضامنا مع التحالف الدولي ضد الإرهاب كذبت الثانية الإدعاءات القطرية بمساندتها وأعلنت رسميا تأييدها للمقاطعة بحسبانها المسار الصحيح لأمن المنطقة.

أشعلت هذه المواقف النزاعات مجددا في القرن الأفريقي، واتهمت جيبوتي حكومة إريتريا بالسيطرة العسكرية على المنطقة الحدودية (رأس وجزيرة دميرة) ذات الأهمية الاستراتيجية على البحر الأحمر، كما قدمت ضدها شكوى إلى الأمم المتحدة وطالبت الاتحاد الأفريقي في قمة أديس أبابا في 3 يوليو الجاري بنشر مراقبين على طول حدودها المتنازع عليها مع إريتريا.

تكمن خطورة النزاع الحدودي في أنه قد يجرّ خلفه نزاعات كامنة أخرى تنتظر الشرارة المحفّزة لبزوغها إلى السطح، بالنظر إلى تباين التحالفات الإقليمية في القرن الأفريقي، وربما تجد إثيوبيا في النزاع فرصة مواتية لإضعاف جارتها اللدودة إريتريا، في ظل تحالفها مع جيبوتي، وكون الأخيرة المنفذ الإثيوبي الوحيد للوصول إلى البحر الأحمر، إضافة إلى أن البلدين عقدا اتفاقا دفاعيا مشتركا في العام الماضي، ومن الممكن أن ينسحب تأثير ذلك على السودان أيضا الذي وثّق علاقاته مع إثيوبيا، بينما ينظر بحذر إلى إريتريا التي وطدت في المقابل صلاتها مع مصر.

تظل الدلالة الأخرى الأكثر أهمية للانسحاب القطري تتعلق بانكماش دور الدوحة الخارجي الذي عرف تمددا ملحوظا خلال العقدين الماضيين في القارة الأفريقية، عبر توظيف الوفورات المالية لاستقطاب فواعل أفريقية من الدول وغير الدول.

الاقتصاد القطري يتأثر بإجراءات أزمة المقاطعة قد يحجم الذراع المالي للدوحة في المجال الأفريقي بخلاف فقدان دول مثل، إريتريا وجيبوتي وموريتانيا والسنغال والنيجر دعمت المقاطعة

ويعني الانسحاب عمليا إنهاء وساطة الدوحة في النزاع الجيبوتي-الإريتري التي تبلورت في اتفاق سلام بين البلدين في العام 2010، أعقبه إرسال الدوحة لقوات حفظ سلام. ويترتب على ذلك تراجع الثقة الأفريقية في وساطات قطر الظاهرة والتي مثلت أحد أدواتها البارزة في القارة جنبا إلى جنب مع وعود مالية واستثمارية.

كانت الدوحة رعت الوساطة بين نظام الإنقاذ السوداني -التي ظلت تدعمه في مواجهة العزلة الدولية- وحركات التمرد في نزاع درافور الذي نشب عام 2003، وتوصلت الدوحة إلى اتفاق سلام بين فرقاء هذا البلد في العام 2011، ثم تعهدت بنصف مليار دولار لإعادة إعمار دارفور في المؤتمر الدولي الذي احتضنته عام 2013، على خلاف مليار أخرى وعدت بها لتأسيس بنك تنمية دارفور في العام 2010، إلا أن الوساطة القطرية رافقتها اتهامات بالانحياز إلى النظام السوداني.

بالمنطق ذاته، احتضنت الدوحة فرقاء في الجنوب الليبي لتوقيع اتفاق سلام محلي بين قبائل التبو والطوارق في نوفمبر 2015، كجزء من سياساتها لترجيح كفة موازين القوى بالمنطقة لصالح تحالفات إسلامية وميليشياوية في الغرب الليبي، في مواجهة الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر.

تمددت وساطات قطر باتجاه العلاقات الإقليمية بين إثيوبيا وإريتريا كما جرى في العام 2016، لا سيما في ضوء عودة علاقاتها مع أديس أبابا في العام 2012، إثر قطيعة دامت أربع سنوات على خلفية اتهامات للدوحة بدعم أسمرة، وجماعات الإرهاب في الصومال.

ولعل زيارة أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني لكل من إثيوبيا وكينيا والسودان في إبريل 2017 عكست أهمية الشرق الأفريقي إجمالا كمجال لنفوذ الدوحة السياسي والاستثماري، خاصة في مشروعات الطاقة والزراعة والتعدين. ويفسر ذلك مواقف الحياد التي اتخذتها دول مثل إثيوبيا والسودان والصومال من مقاطعة الدوحة، معتقدة أنها بذلك تحافظ على مصالحها مع السعودية والإمارات ومصر وقطر، أو بالأحرى الرهان على الوقت في تسوية الأزمة وتجنب الخسائر.

اللافت أن التمدد القطري اتجه نحو مناطق الغرب الأفريقي بشكل خاص حتى باتت عضوا في المنظمة الفرانكفونية الدولية في العام 2012، دون المرور بصفة مراقب مستفيدة من قوتها الاستثمارية والمالية في فرنسا كإحدى القوى الغربية النافذة في المنطقة، وهو ما أثار حفيظة دول عدة في غرب أفريقيا، كينيا مثلا، بسبب اتهامات للدوحة بتمويل جماعات إرهابية في المنطقة.

وتعرضت جمعية الهلال الأحمر القطري في شمال مالي إلى اتهامات فرنسية بتمويل جماعة التوحيد والجهاد الإرهابية في غرب أفريقيا في العام 2012 تحت غطاء المساعدات الإنسانية والتي تشكل بدورها مجالا خصبا للقطريين في أفريقيا، خاصة وأن القارة السمراء تحوز قرابة ثلاثة أرباع المساعدات الإنسانية والتنموية المقدمة من قطر إلى دول العالم، وفقا لإحصاءات رسمية.

تكرّرت الاتهامات لقطر أيضا من حكومة موريتانيا بتمويل تنظيمات إسلامية معارضة، فضلا عن إرسال مقاتلين منها إلى ليبيا، وهو ما يفسر موقف حكومة نواكشوط بمقاطعة الدوحة بل وحظر أيّ تعاطف معها.

لا تكفي العوامل الاستثمارية وحدها لتفسير التمدد القطري في أفريقيا، فنظرة أكثر اتساعا لتحركات هذا البلد منذ منتصف تسعينات القرن العشرين تشير إلى أن ذلك التمدد جاء في سياق مساعيها لإنهاء “عقدة الدولة الصغيرة”، واعتبرت القارة السمراء مجالا لبناء مكانة دولية وممارسة دور “الوكيل” للمصالح الغربية لتأمين تشابكات خارجية لحماية نظامها الحاكم. كما أن أحد أهداف قطر في منطقة مثل القرن الأفريقي يتعلق بمحاولة تطويق قوى أخرى مثل مصر والسعودية والإمارات تشكل لها المنطقة أيضا أهمية جيوسياسية من جهة باب المندب والبحر الأحمر، سواء لجهة مكافحة القرصنة وجماعات الإرهاب وتسيير حركة النفط نحو أوروبا، بخلاف ما أبرزته المنطقة أساسا من أهمية للتحالف العربي بقيادة السعودية في عملياته العسكرية في حرب اليمن.

المنطق القطري في اللجوء لمنصات خارجية أفريقية لتطويق جوارها الخليجي وظفته الدوحة عندما سارع وزير الدولة للشؤون الخارجية القطري سلطان بن سعد المريخي بزيارة كل من السودان وإثيوبيا لتحييدهما في أزمة المقاطعة خلال يونيو الماضي، بل إن الدوحة استغلت الموقف الصومالي الباهت عندما فتحت لها الأخيرة مجالها الجوي لتسيير رحلات الطيران بعد إجراءات منع مرور طائرات الدوحة في أجواء دول المقاطعة.

الحاصل أن تأثر الاقتصاد القطري بإجراءات أزمة المقاطعة قد يحجّم الذراع المالية للدوحة في المجال الأفريقي، بخلاف فقدان دول مثل إريتريا وجيبوتي وموريتانيا والسنغال والنيجر دعمت المقاطعة، بما يسهم أكثر في انحسار دور الدوحة الأفريقي.

من المتوقع أن يدفع الانكماش القطري في أفريقيا إلى الاتجاه نحو تعزيز التحالفات مع تركيا وإيران داخل القارة أملا في تشكيل لوبي إقليمي ضاغط على دول المقاطعة

وامتداد الأزمة يعني ضغوطا متصاعدة على الدول الأفريقية المحايدة للاختيار بين مصالحها مع قطر أو السعودية والإمارات ومصر، وبرز ذلك مؤخرا مع تحركات الرياض، حيث زار وزير الخارجية السعودي عادل الجبير أديس إبابا في يوليو الجاري لحضور قمة الاتحاد الأفريقي الـ29، ثم أعقبت ذلك دعوة الرياض إلى قمة سعودية-أفريقية بنهاية العام الجاري في بادرة تدل على محاولة الاستفادة من ثقلها في القارة السمراء ضمن إجراءات ردع قطر.

ويتوقع البعض من المراقبين أن يدفع الانكماش القطري في أفريقيا إلى الاتجاه نحو تعزيز التحالفات مع تركيا وإيران داخل القارة أملا في تشكيل لوبي إقليمي ضاغط على دول المقاطعة. وتمتلك تركيا لنفوذ أفريقي كما الحال مثلا في مقديشو حيث تملك قاعدة عسكرية وتتلاقى أنقرة والدوحة في دعم حركات الإسلام السياسي في الصومال وبناء ارتباطات تمويلية مع الرئيس السابق حسن شيخ محمود الذي لديه اتصالات بحركة الإصلاح فرع الإخوان في الصومال.

كذلك الحال بالنسبة إلى إيران التي لها أذرع المذهبية وأمنية في شرق وغرب أفريقيا. فبالرغم من فقدان إيران للتحالف مثلا مع السودان إثر قطع الأخيرة للعلاقات معها عام 2014، إلا أن طهران وطدت العلاقات مع إثيوبيا منذ العام 2012 بعد التوترات الثنائية على خلفية دعم طهران لإريتريا.

ويبقى أن النذر التي لاحت لانكماش الدوحة أفريقيا تصب جيوسياسيا لصالح الدول العربية الأربع، السعودية ومصر والإمارات والبحرين، باعتبارها الأكثر تشابكا مع دول القارة (باستثناء البحرين)، الأمر الذي يطرح على الدول الثلاث توسيع الشراكات السياسية والأمنية والاقتصادية وصياغة رؤية جديدة للحد من إمكان الاستغلال الإيراني-التركي للانكماش القطري، فضلا عن التنسيق لسياسات مشتركة تجاه الأزمات الأفريقية في شرق وغربي القارة.

4