نذور للحرب شرق السودان

الأربعاء 2013/12/04

ألقى تحذير مجموعة الأزمات الدولية في الأسبوع الماضي، من تجدد المواجهات في شرق السودان حجراً في ساكن مياه الإقليم الذي استكان مؤخراً لوعود عدالة المركز بالتنمية وإزالة الغبن الاجتماعي والتهميش الذي تعرض له شرق السودان ردحاً من الزمن.

ابتدأت تلك الوعود منذ سبع سنوات عندما تمّ توقيع اتفاق سلام الشرق عام 2006 في العاصمة الأريترية أسمرا، بين حكومة السودان و«جبهة شرق السودان» وهو التنظيم العسكري لاندماج تنظيمي «مؤتمر البجا» و«الأسود الحرة». وكان ذلك بغرض وضع حد للنزاع في الإقليم الذي اندلع منذ تسعينيات القرن الماضي.

واتفاق السلام هذا هو أحد الاتفاقات الكثيرة التي وقعتها الخرطوم لوضع حد لعدة نزاعات داخلية خلال السنوات الثماني الماضية، والتي اشتعلت بؤرها في إقليم دارفور وجنوب كردفان وولاية النيل الأزرق، وكان السبب في كل هذه الحالات هو التهميش.

ولكن هذا الاتفاق كغيره لم يتم تنفيذ بنوده الأساسية مثل تقاسم السلطة وصناديق التنمية وإعادة دمج المتمردين في الحياة المدنية وقوات الأمن، مما حرم سكان إقليم الشرق السوداني من عائدات السلام.

ومرّ هذا الاتفاق بمخاض طويل كانت بدايته خروج «مؤتمر البجا» وحمله السلاح ضد حكومة الخرطوم عام 1994، بدعم من أريتريا الحليف الاستراتيجي للبجا منذ الثورة الأريترية.

وإزاء هذه المظالم كان «مؤتمر البجا» من أوائل الفصائل المؤسسة للتجمع الوطني الديمقراطي وأحد أهم الكيانات المطلبية.

ثم مرّ كذلك بمحطة مفاوضات القاهرة في منتصف يناير من عام 2005، والتي انسحب «مؤتمر البجا» منها عائداً إلى العمل المسلح، وذلك لاعتقاده أنّ قضية الشرق أصبحت ورقة في يد التجمع الوطني الديمقراطي. وفي نفس العام خرج مواطنو شرق السودان في مظاهرات مطلبية سلمية احتجاجاً على تدهور الأوضاع الاقتصادية ولكنها انتهت بمجزرة مدينة بورتسودان الساحلية.

تسارعت الأحداث إلى أن وصلت إلى يوم 25 مايو من عام 2006 وهو التاريخ الذي تم فيه التوقيع على اتفاقية سلام شرق السودان.ومنذ توقيع الاتفاقية وهي تسعى بين فرضية التوافق على التطلع إلى السلطة من جهة، وبين الرافضين للحلول الجزئية من جهة أخرى. وفي هذه النقطة المحورية نجد موقفين ماثلين.

موقفٌ ساهم في تدوير الخلافات بين قبائل الإقليم، فلم ينجح في احتواء الأزمة وما أنتجته من تجاذبات سياسية أدت إلى عواصف ساخنة بين الموالين للسلطة. اتسمت هذه الأراء في أحيان كثيرة بالحدة ثم المهادنة، كموقف موسى محمد أحمد مساعد رئيس الجمهورية ورئيس حزب مؤتمر البجا الذي تم انتقاده منذ ظهوره ككيان ضعيف تنقصه الاستراتيجية والرؤى الواضحة والأهداف المصيرية لحل مشاكل الإقليم، كما انتقد خضوعه حسب ما تمليه المصلحة مع حكومة الخرطوم. وهذا الخضوع لم يمكّن «مؤتمر البجا» من تحقيق ولو الجزء اليسير من مطالب أهل الإقليم مما ساهم في زرع بذور الصراع بين المركز والإقليم.

أما الموقف الآخر فهو موقف المناهضين للسلطة مثل الجبهة الشعبية للتحرير والعدالة لشرق السودان، والتي أعلنت أنّ الشرق السوداني يعاني من انعدام التنمية والعدالة، فقررت مؤخراً رفع السلاح في وجه حكومة المؤتمر الوطني بالتعاون مع الجبهة الثورية، بغرض إسقاط النظام بعدما تعذر تحقيق المطالب.

الآن وبعد مشاركة قيادات أحزاب الشرق في السلطة، بدأت بعض الأصوات تعلن بأنّ بنوداً أساسية من الاتفاق لم يتم تطبيقها بعد، ومعظم سكان الشرق لم يستفيدوا بعد من عائدات السلام، بل ما زالوا يعانون من فقر مدقع، ويعتمد معظم قاطني الأرياف منهم على المساعدات.

هذا التهميش أقرّت به حكومة المؤتمر الوطني على لسان مستشار رئيس الجمهورية، مصطفى عثمان إسماعيل وأرجعته إلى عدم تنفيذ بنود اتفاقية الشرق، خاصة تلك البنود المتعلقة بالتعيين لأبناء الإقليم في الخدمة المدنية ودمج قوات جبهة الشرق في القوات المسلحة والنظامية.

وهذه التحركات الأخيرة وضعت الحكومة أمام خيارين؛ إما تحقيق مطالب التنمية والعدالة الاجتماعية لمواطني الشرق أو النظر في حق تقرير المصير.

وذلك الحق يبدو للبعض أنه أقرب بالنظر للبجا كقومية مختلفة في لغتها وعاداتها وثقافتها لها تاريخها وأرضها التي تؤهلها للمطالبة بحق تقرير المصير.

ولكن بالنظر في الجانب الآخر للتكوين السكاني لمنطقة شرق السودان سنجد أنه لابد من القبول بمسلمات كثيرة منها التنوع في إقليم شرق السودان نفسه، وواقع ضمه في ثناياه المجتمعية لمجموعات إثنية عديدة يمكن أن تحقق نوعاً من العلاقة التي تربط قومية البجا وإقليم الشرق بأكمله ببقية القطر، على شرط توفر المطالب الشعبية مما يجعل هذا أقرب إلى اختصار معاناة أهل الإقليم مع المركز.

هذا الحديث عن المطالب والحقوق الأساسية يبرز مسألة الصراع الحضاري والثقافي الناشئة في عهد حكومة الإنقاذ السودانية بين المركز والهامش. فضلاً عن المطالب السياسية والاقتصادية والتي أغرت بما تقدمه الدولــة بالتفريط في صيانــة وحدة أراضيها لهذه الأقاليـم التي تعاني بدورها من تجاهل الحكومة لها على مدى ربع قرن من الزمان.

كاتبة سودانية

9