نذير الحكيم .. الأبرز في وفد المعارضة السورية إلى جنيف.. الإسلامي المستقل

الأحد 2014/02/02
الحكيم.. صاحب الاختراعات التي غيرت التكنولوجيا النووية الفرنسية

لم يكن ممكنا تجاوز نذير الحكيم في لحظة تأسيس الائتلاف السوري، رغم فرضه لشرط عدم التفاوض مع النظام في الوثيقة التأسيسية، الأمر الذي تجاوزه اليوم سائرا مع تحولات الملف السوري بينما رفض الإخوان المسلمون جنيف 2 ولم يرسلوا مندوبا عنهم.

“هل أنت عضو في جماعة الإخوان المسلمين؟ لا.

أريد العمل مع الشعب و العودة إلى حلب.. من غير تابوت”.. قال ولم ينتظر كثيرا حتى عاد بالفعل إلى حلب بعد تحرير قسم كبير منها من سلطة نظام الأسد، هكذا أجاب نذير الحكيم على سؤالي الذي حاول تأطيره في تنظيم أو جماعة أو حزب، ويقدّم نفسه على أنه منفتح على جميع التيارات والأيديولوجيات، كمفكّر نشط، وليس عضوا في عصبة، ويترك الاحتمالات مفتوحة، كي يبقى حرّا في التحرّك إلى الأمام أو الخلف في اللحظة التي يختارها، مما يتيح له مرونة التواصل مع الأطراف المختلفة في الوقت الذي يتطلب الأمر تدخّله فيه.


البدايات من حلب


ولد نذير الحكيم في حلب المدينة، في العام 1950، ودرس في مدارسها، وتخرّج من كلية العلوم بداية السبعينات بتفوق، ليدرّس في الجامعة، وأوفد إلى فرنسا ليتخصص في لغة الحاسب الإلكتروني، فقرّر إعادة دراسة الهندسة من جديد، وفي سنواته الأولى هناك، قرأ إعلانا في الصحف يطلب خبيرا في الدارات الكهربائية لتزويد المفاعلات النووية الفرنسية، فتقدّم بمشروعه في قاعة إنتاج الطاقة الكهربائية في المفاعلات النووية، وكان قد أمضى من عمره 26 عاما في سوريا، قبل أن يغادرها ويمنع من العودة إليها. في فرنسا، طلبته شركة الصواريخ الفرنسية “أريان” ولكنه لم يقبل العمل معها، ثم طلبته طائرة الطاقة النووية الفرنسية “أليتي” فالتحق بمختبراتها.

يصعب التنبؤ بشكل التفاوض الذي سيعثر عليه الحكيم في ظل مطلب المعارضة السورية بتطبيق حرفي لبيان جنيف1 بتشكيل هيئة حكم تنزع صلاحيات الأسد

شعر الحكيم بأن علماء فرنسا وباحثيها، يستخفون بذاك العربي القادم من الشرق، فقرّر قبول التحدي، وسكن في مختبره، ولم يغادره إلا قليلا، متعمقا في البحث في متغيرات التيار الكهربائي، حين سجّلت براءة الاختراع الأولى له، وحصل على دكتوراه الدولة الفرنسية الأولى في حياته، صادف صعوده العلمي ذاك، بدء الأحداث الدامية في سوريا في العام 1980، ولم يكن نذير الحكيم في تلك الفترة منتميا لجماعة الإخوان المسلمين، ضغطت عليه السلطات السورية للعودة إلى سوريا، وتم سحب جواز سفره، فأصبح بلا أية وثائق في أوروبا، فقررت مؤسسة الأبحاث النووية الفرنسية منحه الجنسية الفرنسية والتكفّل ماليا بحياته، ثم حصل على الدكتوراه الثانية والثالثة في أبحاث النانو، حتى أصبح نائبا لرئيس أكبر الشركات العلمية في أوروبا، وعمل لشركات فيليبس وسيمنس، وفي العام 1996 ، اشتغل على دارة كهربائية بمساحة واحد سنتمتر مربع، تسجّل مشاهدات الإنسان في الفضاء لمدة ثلاث سنوات بالصوت والصورة، ويمكنها الوصول إلى المعلومة خلال 24 ثانية فقط، ليقوم بتحدّيها وتطويرها، وخلال سنوات طويلة من العمل التقني تمكن الحكيم من ابتكار اختراعين قدمهما لمؤسسات البحث الفرنسية ساهما في قيادة الاستقلال النووي الفرنسي عن تكنولوجيا الولايات المتحدة، وتدفع الحكومة الفرنسية اليوم لنذير الحكيم تقاعدا كبيرا لقاء “طريقته في التفكير الرياضي” في استثناء علمي نادر.


نائب العمدة الفرنسي


بدءا من تأسيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، أصبح الحكيم رئيسا لعدد من الجامعات العربية والإسلامية في القارة العجوز، واستمر حتى اليوم عميدا لكلية الدراسات الإسلامية في باريس، ثم رشّح نفسه في الانتخابات المحلية الفرنسية، ليصل إلى منصب نائب عمدة، وقضى خمس سنوات، في دراسة العمل السياسي، والبحث في ضرورات الكادر والمسؤوليات، وكان له الدور الكبير في خلق استجابة حضارية للمسلمين في فرنسا، لقرار الحكومة بحظر الحجاب، بحيث انحاز إلى الموافقة على القرار، دون اعتباره خطرا يفقد الإشارات الدينية معناها ورمزيتها، وقد منحت الحكومة الفرنسية الحكيم وسام الاستحقاق الفرنسي من الدرجة الممتازة، تقديرا لدوره العلمي الواسع طيلة سنوات حياته في فرنسا.

حرص الحكيم على الانفتاح على العمل الفكري والتنويري العلمي في المشرق العربي، كما في الغرب، وطار مرارا إلى عواصم عربية لتأسيس مراكز البحث العلمي، فكان مؤسسا رئيسيا ومستشارا علميا لمركز الأمير عبدالمحسن بن جلوي الذي افتتحه الشيخ سلطان القاسمي بإشراف الدكتورة الأميرة سارة بنت عبد المحسن بن جلوي في الشارقة في العام 2002 وحتى اليوم.

رفض نذير الحكيم تقديم البيعة لقادة الإخوان المسلمين كي يكون حراً في الانتماء والتفكير


العمل السياسي


غادر الحكيم مختبراته، منذ سنوات، ليعود إليها، وبين المغادرة والعودة، كان يؤمن بأن العمل السياسي مرتبط بالعمل الفكري، وقد تمكّن من المحافظة على استقلاله السياسي، معتذرا عن تقديم البيعة للإخوان المسلمين، تعاون مع جميع التيارات الإسلامية العربية والشرقية، مؤسسا مراكز الأبحاث، كما عمل مستشارا سياسيا وعلميا لملوك وأمراء في دول عديدة، حتى أصبح شخصية حاضرة في جميع تلك الأوساط، وطلبت وساطته مرارا في نزاعات سياسية وقعت في أنحاء مختلفة من العالم.

وسارع منذ انطلاق الثورة السورية إلى تشكيل الائتلاف الوطني لحماية المدنيين، كواجهة سياسية للعمل المدني، بجناح مسلّح أطلق عليه اسم “هيئة حماية المدنيين”، بهدف يعبّر عنه عنوانه، من جهة، ومن جهة أخرى، كي يؤمّن الوجه المدني للثورة السورية، ويحافظ عليه، مستقلا عن مساعدات الجهات الداعمة، ويؤمن الحكيم بأن المعارضة السورية قديمة، ولها بعض الأجنحة الحديثة، وأن هذا التنوّع مفيد بقدر ما هو خطير، وأنها تحتاج للكثير من الثقة فيما بينها، ويتهم الحكيم تفكير المعارضة السورية بتضييع الوقت، وهو يحارب بكل ما استطاع كما يقول تلك العيوب والأخطاء التي شابت مسار العمل المعارض، رغم مساهمته المباشرة في تأسيس المجلس الوطني السوري، وشغله لموقع أمين السر فيه، ثم ساهم بتأسيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، منتقلا إلى هيئته السياسية، بين الثقة والحذر يحرص جميع الأطراف على تلك الصلة الحساسة مع نذير الحكيم الحاضر في جميع الملفّات.


تأسيس المجلس والائتلاف


طرح شباب الثورة السورية فكرة تأسيس مجلس وطني انتقالي للثورة السورية، وطرحت مجموعات من المعارضة السورية الفكرة ذاتها، وعقد لقاءان منفصلان في تركيا، لإطلاق المشروع ذاته، الذي كان سينهار أو ينشطر، لولا الجولات المكوكية التي قام بها نذير الحكيم بين المجموعتين، والتي فاوض بها كلا من المعارضة التقليدية التاريخية السورية، من جهة، والمعارضة السورية الشابة التي انبثقت من رحم الثورة، وتمكن بذكاء من جمع الأطراف إلى طاولة واحدة أنشأت أول جسم سياسي نال الاعتراف الدولي وشكّل حضور المعارضة السورية في الأوساط الدولية لأول مرة، دون أن يضطر الحكيم إلى الانخراط في أي من التيارات السياسية المعروفة، محافظا على مسافة صعبة وحرّة مع الإخوان المسلمين، دون القطيعة معهم، وأيضا على تحالفه مع مجموعات العمل الإسلامي ومع التيار العلماني الذي ضمّه إعلان دمشق، دون أن يقدّم نفسه كقائدٍ في الواجهة، واتجه إلى العمل على الداخل السوري، في المناطق المحررة، وإقامة الحملات الإغاثية الكبيرة التي غطّت آلاف الأطنان من الطحين والمواد الغذائية وتم توزيعها بالمجان على مئات آلاف السوريين في المحافظات السورية الشمالية والوسطى، إضافة إلى المخيمات في تركيا والأردن.

قام الحكيم ببناء هيئة مدنية عسكرية لحماية المدنيين، أولى الفصائل المسلحة ذات طابع إسلامي مستقل سياسيا

ويحتفظ الحكيم بعلاقات مميزة مع كلٍ من الأتراك والفرنسيين والسعوديين، بفضل تاريخه الشخصي في العمل العلمي والاجتماعي والأكاديمي معهم، فكان من الصعب على مؤتمر الدوحة الذي تشكّل فيه الائتلاف، بإرادة دولية مشتركة، استثناء الحكيم من معادلة المعارضة السورية، كإسلامي معتدل صاحب نفوذ واسع، وكان نذير الحكيم صاحب مطلب وضع شرط عدم التفاوض مع النظام في الوثيقة التأسيسية للائتلاف السوري في لحظة تأسيسه، ولكنه ذهب مع تطورات الحدث فيما بعد، بينما رفض الإخوان المسلمون جنيف2 ولم يرسلوا مندوبا عنهم وفقا لما قاله المراقب العام رياض الشقفة مؤخرا، ويؤمن الحكيم بضرورة قيام محور عربي إسلامي يواجه الامتداد الإيراني والتمادي الغربي في تحقيق المصالح.


مفاوضات جنيف 2


بعد تجربة المعارضة السورية والأجسام التي تم تشكيلها منذ الأعوام الثلاثة الماضية وحتى اللحظة، كان من الصعب استثناء نذير الحكيم، وعقليته التوافقية من كل المفاصل الحساسة التي مرّت بها تجربة السوريين في المعارضة، فكان من البديهي أن يحرص مشكلو وفد الائتلاف السوري إلى مباحثات جنيف 2 على وجود نذير الحكيم، وقد تحدى الحكيم موقف المجلس الوطني المقاطع للتفاوض، ويتراجع الحكيم خطوات خلف واجهة وفد الائتلاف، ليكون في زاوية يسهل معها تقييم الأداء لكلا الطرفين، وليكون قادرا على الدخول في الوقت المناسب، الذي تبدأ فيه المفاوضات بشكل حقيقي حول هيئة الحكم الانتقالية.

ويضم وفد الائتلاف إلى جانب نذير الحكيم، كلا من هادي البحرة الذي اختير كبيرا للمفاوضين، بالإضافة إلى الحقوقي المخضرم هيثم المالح، وكلا من سهير الأتاسي رئيسة وحدة الدعم الإغاثي التابعة للائتلاف، وكذلك الدكتور المهندس لؤي الصافي المفكر والكاتب السياسي، والخبير القانوني محمد صبرا، والباحث عبيدة النحاس مدير معهد الشرق في لندن، عضو مجموعة العمل الوطني، وأنس العبدة القيادي في إعلان دمشق، وعبدالحكيم بشار رئيس المجلس الوطني الكردي سابقا، والقيادي الكردي المؤسس عبدالحميد حاج درويش، وميشيل كيلو رئيس اتحاد الديمقراطيين، وعبد الأحد صطيفو رئيس المنظمة الآشورية السورية، وبدر جاموس أمين عام الائتلاف، ومحمد حسام الحافظ الدبلوماسي المنشق، وإبراهيم برو، وريما فليحان، ونورا الأمير نائب رئيس الائتلاف، وأحمد الجربا رئيس الائتلاف، وأخيراً الدكتور أحمد جقل ممثلا عن هيئة الأركان العسكرية السورية.
تدفع الحكومة الفرنسية للحكيم تقاعدا كبيرا لقاء (طريقته في التفكير الرياضي) في استثناء علمي نادر


عقل التفاوض والإمكانات والهدف


يتشكل وفد المعارضة السورية إلى جنيف، من جملة خبرات مختلفة يغلب عليها طابع المرونة في التفاوض والحوار، ويشكّل نذير الحكيم أبرز تلك الوجوه، وقد عرفته الأوساط السياسية المعارضة خلال فترة الثورة السورية، بالقدرة الهائلة على تدوير الزوايا، وتأسيس توافقات سياسية تجمع الأطراف في أطر جديدة وتفاهمات خلاقة، ولكن تلك الخبرة لدى الحكيم تصطدم بحجم المطلب الذي يحمله وفد المعارضة السورية، والمتمثل بضرورة تنحي الأسد وتطبيق بيان جنيف1 وقرار مجلس الأمن 2118، ويقول الحكيم عن المفاوضات: ” نحن متفقون على التفاوض حول تطبيق جنيف 1، والنظام لم يوافق على هذا الأمر، الدعوة التي وجهها إلينا الأمين العالم للأمم المتحدة تلحظ القرار 2118 الذي يتبنى بيان جنيف 1، لكن النظام يرفض أن يقر بذلك، والمعارضة تحتاج إلى ضمانات، فقد طلبنا من الإبراهيمي أن يؤمّن لنا هذه الضمانات بأن المفاوضات لن تحيد عن الهدف المحدد لها”.

والسؤال المنتظر الذي يحيط بدور نذير الحكيم في التفاوض اليوم في جنيف 2، كيف سيتعامل الحكيم مع وفد النظام، الذي يرفض كليا الاعتراف بمطلب تشكيل هيئة حكم انتقالية بصلاحيات واسعة وكاملة، ما دام فن التفاوض الذي اعتمده الحكيم في الماضي قام أساساً على الحصول على تركيبة متناغمة من التنازلات المقبولة من قبل جميع الأطراف؟ فما الذي يمكن أن تتنازل به المعارضة السورية اليوم في هذا المطلب الذي يعدّ أساسيا في مسار الثورة وعمل المعارضة وتمثيلها للشعب.. وكيف سيتمكن الحكيم بخبراته الكبيرة من تجاوز تعنّت وفد نظام الأسد واختراقه؟

7