نذير مصمودي من داعية وإمام إلى ناقد لمشروع الإخوان

الأحد 2015/03/01
المصمودي طرح الأسئلة المسكوت عنها في الوسط الحركي الإسلامي

أثار جدلا ساخنا في الساحة الجزائرية، ورحل إلى دار الخلود تاركا وراءه جدلا أسخن، هل كان الداعية والإعلامي، نذير مصمودي، يريد الانتقام من إخوانه في تيار الإخوان، بعدما لفظته قيادات الجيل الجديد؟ أم كان يريد بحق طرح أسئلة جريئة ومثيرة، عن خواء مشروع الإسلام السياسي في الجزائر، وانسداد أفقه في الوصول إلى السلطة، بسبب تناقضاته وقصر رؤيته في الفصل بين تسيير الجماعة وتسيير الدولة؟

أعلن الراحل نذير مصمودي، الذي انتقل إلى جوار ربه، بسكتة قلبية مفاجئة، الطلاق مع مسيرة الدعوة الدينية والنشاط في تيار الإخوان، وتحوّل إلى كاتب جريء ومثير، متخذا من أعمدة الصحافة الورقية والإلكترونية، والبلاتوهات التلفزيونية، وحتى في شبكات التواصل الاجتماعي، للكتابة في الحب والحزن والعواطف والطفولة والدين والسلطة والإسلام السياسي.


سلوك الجماعة لا يسير الدولة


رحل نذير مصمودي، وهو في عز العطاء والإبداع.. رحل وهو يوصي زملاءه في صحيفة “الشاهد” التي أسسها في العام 2011، بعدم الاستسلام لإرادات القمع والتسلط على رقاب الجزائريين، ومما قاله لهم 12 ساعة قبل وفاته، لمّا ودعهم الوداع الأخير، وهو يسرع الخطى ليسبق أجله على فراش الموت “احرصوا على الأمانة، ولا تخافوا أو تستسلموا للذين يريدون امتلاك البلاد والعباد لعائلاتهم”.

بعد تشبعه في فترة الدراسة الجامعية بالفكر الإخواني، بدأ حياته بما كان يعرف في فترة الثمانينات بـ”الدعوة والإصلاح”، ثم محاضرا ومنشطا للندوات الفكرية في مسقط رأسه بمحافظة بسكرة (450 كلم جنوبي العاصمة)، ثم إماما وخطيبا في مسجد شاطوني لنفس المدينة الصحراوية، ومع مطلع التسعينات تحول إلى الصحافة والإعلام المرئي، كاتبا في صحف محلية ومنتجا في شركة خاصة.

وكانت أول مواجهة بين مصمودي الداعية والسلطة، في مطلع التسعينات، لما أوقفه الأمن وأحاله إلى السجن، في إطار ملاحقة الناشطين الإسلاميين، بعد إلغاء المسار الانتخابي في العام 1992، الذي اكتسحته آنذاك، جبهة الإنقاذ المحظورة، وبسبب تدخل أحد مسؤولي التلفزيون الحكومي، لم يحوّل مصمودي إلى معتقلات الصحراء، كغيره من الموقوفين الإسلاميين، وتم الاكتفاء بسجنه في مدينة ورقلة إلى غاية إطلاق سراحه، ليشد الرحال بعدها إلى البوسنة والهرسك ثم النمسا ناشطا في جمعيات الإغاثة الإسلامية، ومراسلا لعدد من الصحف والقنوات العربية والدولية من المنطقة لمدة عشر سنوات.

حوّل مصمودي، حادثة الألمانية التي تزوجت من إخواني جزائري في النمسا، واختلفت مع زوجها بسبب تصرفاته وسلوكاته اليومية، إلى قضية رأي عام، لتطرح المرأة السؤال على مصمودي حين سعى إلى الصلح بينهما: متى يدخل الإسلاميون في الإسلام؟ وهو السؤال الذي اتخذه كعنوان لكتاب وصف بـ“المستفز”، صدر خريف العام الماضي، بعدما أخرج سنوات من الممارسة والتجربة مع ذهنيات منتسبي وقيادات التيار إلى العلن، واستدلّ بها على فشل الإخوان في أيّ إمكانية للمسك بمقاليد الدولة.

حول مصمودي، حادثة الألمانية التي تزوجت من إخواني جزائري في النمسا، واختلفت مع زوجها بسبب تصرفاته وسلوكاته اليومية، إلى قضية رأي عام


بعد الرصاص


أما كتاب “بعد الرصاص، الإسلاميون والأسئلة الساخنة”، فقد كسر تابوهات الحركة الإسلامية، واعتبر بمثابة الحصى التي كسرت زجاج الواجهة، لأنه حقق السبق في ملامسة إشكالية الحركة الإسلامية في الجزائر في فترة ما بعد الإرهاب، واستطاع بحكم تجربته الطويلة في النضال السياسي الإسلامي، وبفضل تجربته خارج الوطن، أن يطرح الكثير من القضايا ويضعها تحت مجهر النقد الذاتي، لا سيما تلك المتعلقة بمستقبل الإسلاميين في الجزائر وفي الوطن العربي. ومن بين ما جاء في المقدمة التي خطها الإعلامي، علي فضيل “الكتابات المثيرة للجدل، هي الكتابات الأنجح في استفزاز الوعي وتوليد النقاش وإنتاج الأفكار والآراء، ومنها تتعمق معالم التعدد والاختلاف وتتلاشى حدود التجانس الموهوم في أنماط الفكر الشمولي القائم على أحادية الرأي ومطاردة الرأي الآخر وقمعه كيفما كان. لعل التعبير الرمزي لهذا الكتاب يذهب إلى هذا المعنى بوصفه مثيرا للمسكوت عنه في أوساط الإسلاميين، ومخالفا لأنماط تفكيرهم الرائج حول قضايا المستقبل وأسئلته المعقدة”.

ويضيف “قد يتعمق هذا المعنى، ويصبح أكثر مغزى، عندما نعرف أن الكاتب الزميل نذير مصمودي ليس غريبا عن بيت الإسلاميين الجزائريين ولا دخيلا عن بيئتهم وطبيعة نشأتهم، فهو أحد الدعاة المعروفين منذ نهاية السبعينات بكتبه ومقالاته وخطبه ومحاضراته، وأحد المساهمين التاريخيين في تأسيس حركة مجتمع السلم، وأحد المرشحين لرئاستها في مؤتمرها الأول عام 1991، إلى جانب الراحل محفوظ نحناح، ورئيسها الحالي أبوجرة سلطاني”.

وطرح مصمودي في كتابه، الأسئلة المسكوت عنها في الوسط الحركي الإسلامي، رغم حضورها في أذهان الكثيرين من الإسلاميين، ومن أبناء الحركة ومناضليها. وفي مقدمتها هل يصل الإسلاميون إلى السلطة في الجزائر؟ وإذا كان المراقبون لا يملكون جوابا قاطعا، فإن قرب المؤلف من الإسلاميين عموما ومن حركة مجتمع السلم تحديدا واطلاعه الواسع على أسرارهم وأنماط تفكيرهم السياسي والاستراتيجي، جعله غير متأكد من قدرتهم على صنع الاستثناء والوصول إلى السلطة ومواقع القرار في المدى القريب أو المتوسط، ليس لأن النظام مازال محتفظا حسب رأيه بقدرة المناورة لمنعهم من ذلك، وإنما أيضا لأسباب تتعلق بعجزهم الذاتي عن قيادة السلطة في ظل توازنات محلية وخارجية أفاض في شرحها بإسهاب.

وخلافا لسطحية التناول الإسلامي السائد لمواضيع الدولة والديمقراطية والاختزال المربك الذي يعتري نظر الإسلاميين في مثل هذه القضايا الحية، فقد حاول مصمودي الخوض في عمق هذه المواضيع ورصد إشكالاتها المتجذرة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر.

وشكلت تكهنات الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم، أبوجرة سلطاني، في مطلع الألفية بأن “حمس” ستصل إلى السلطة في العام 2012، الاستفزاز الذي دفع مصمودي لتقديم نبذة تاريخية عن التغيير الحاصل في الفكر الحركي الإسلامي منذ ظهور جماعة الإخوان المسلمين وما تلاها من جماعات وتنظيمات إسلامية، تمثل في عمقها الفكري امتدادا لجماعة الإخوان وصدى مباشرا لسعيها الاستراتيجي في الإصلاح والتغيير وإنجاز الحل الإسلامي.

كتاب "بعد الرصاص، الإسلاميون والأسئلة الساخنة"، يكسر تابوهات الحركة الإسلامية، لأنه كان قد حقق السبق في ملامسة إشكالية الحركة الإسلامية في الجزائر في فترة ما بعد الإرهاب واضعا الكثير من القضايا تحت مجهر النقد الذاتي


عودة طلبة القاهرة والفكر الإخواني


يرى مصمودي أن الظروف السياسية والأمنية، التي أعقبت اغتيال حسن البنا وما تلاها من صدامات بين الإخوان والنظام الناصري، أحدثت تحولا جذريا في فكر الجماعة جعلتها أكثر تشددا بالدعوة إلى الجهاد والعمل المسلح، وهو ما كان له تأثير واسع في الفكر الحركي عبر التنظيمات الراديكالية، التي اعتمدت هذا الأسلوب كوسيلة للتغيير وإقامة الدولة الإسلامية، بدءا بالتجربة العنيفة التي خاضتها جماعة الإخوان في سوريا مطلع الثمانينات، ثم في مصر بعد اغتيال أنور السادات ومهاجمة السياح ومحاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا، وانتهاء بالصدام الدموي الأعنف بين الجماعات المسلحة في الجزائر والنظام الجزائري إثر إلغاء نتائج انتخابات 1992 التي فازت بها جبهة الإنقاذ الإسلامية.

ويرجع الكاتب جذور التيار الإخواني في الجزائر، إلى عودة الطلبة المتأثرين بالتجربة من القاهرة، وكذا البعثات المصرية التي قدمت إلى الجزائر من أجل التدريس، دون إهمال نشاط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي تمكنت بعد فترة قصيرة من توسيع نشاطها عبر مساجد العاصمة، متخذة من نادي الترقي مقرا لها، فشكلت بذلك أول نواة لما يمكن تسميته بالمعارضة الإسلامية في الجزائر، وهو ما أدركته السلطة في ذلك الوقت حيث منعها الرئيس بومدين من مزاولة نشاطها سنة 1965، بعد دعوتها إلى إطلاق سراح الإخوان المسلمين المحاكمين في مصر وعلى رأسهم سيد قطب.

وبتشجيع من المفكر الجزائري مالك بن نبي، بادرت مجموعة من الطلبة بتأسيس أول مسجد للطلبة بجامعة الجزائر، وهو ما اعتبره المحللون بداية التحول في طبيعة الحركة الإسلامية باعتمادها على العنصر الطلابي، فقد لعب المفكر دورا كبيرا في الاستجابة لتطور الحركة الإسلامية، خصوصا وأنه كان مطلعا على التجربة الإخوانية وداعيا إلى تطويرها بما كان يسميه بالفكر المعاصر، فتبلورت أربعة اتجاهات رئيسية: الاتجاه الإصلاحي السلفي ممثلا في فكر جمعية العلماء المسلمين، الاتجاه الإخواني بشقيه المحلي والعالمي، جماعة الدعوة والتبليغ بأصولها الدعوية الباكستانية المعروفة، الاتجاه الصوفي الموروث عن الحركات الصوفية في الجزائر. وهي الاتجاهات التي خرجت بالدعوة من أسوار الجامعة إلى الأوساط الشعبية الواسعة.

ويؤكد مصمودي أن الانفتاح السياسي التعددي الذي حدث في أواخر الثمانينات وما تبعه من انفراج الحريات حال دون توجه الحركة الإسلامية في عمومها إلى استعمال القوة والعنف لإزالة النظام، خصوصا أمام التضييق السياسي والقمع الأمني الذي كانت تتعرض له بين الحين والآخر. ولعل الفترة التي قضاها محفوظ نحناح في السجن هي التي وفرت له الوقت الكافي لمراجعة خطه الدعوي وحملته على الاقتناع الطوعي بالعمل السلمي حفاظا على الحركة الإسلامية الناشئة وعدم المجازفة بتوريطها في مواجهة غير متكافئة.


مالك بن نبي


أفاد هذا المنهج حركة مجتمع السلم في مجال الكسب الجماهيري، حيث ساهم في ترشيد الفكر الإصلاحي وتبديد أوهام القنوط من مناهج التغيير بالوسائل السلمية الهادئة، فتجارب العمل المسلح كوسيلة للوصول إلى السلطة أفضت في الجزائر وغيرها من البلدان العربية إلى نتائج كارثية.

مصمودي يعد من الرعيل الأول المؤسس للحركة الإخوانية في الجزائر "حركة المجتمع الإسلامي" ولما عاد إلى الجزائر بعد سنوات الهجرة لفظته القيادات الجديدة لتيار الإخوان

ويستهجن الراحل مصمودي، الطرح الذي قال بوصول حركة مجتمع السلم إلى السلطة في الجزائر سنة 2012، ويرى أن الحقيقة تثبت أن التجربة التعددية في الجزائر لم تصل إلى آليات ثابتة وواضحة لتنظيم التنافس السياسي أو إعادة بناء الدولة ونظامها بالطريقة التي تحولها إلى أداة لتحقيق التداول السلمي على السلطة بحرية ونزاهة، وكذا عجز الأحزاب السياسية عن بناء المؤسسات المدنية القوية للمشاركة في اتخاذ القرار وممارسة الرقابة، بل وعجزها عن بناء ذاتها سياسيا وتنظيميا خارج نموذج النظام الذي تزعم أنها جاءت لمعارضته وتغييره، فمن السابق لأوانه أن يتحدث الإسلاميون عن الوصول إلى السلطة في الجزائر.

ويخلص مصمودي إلى أن “الحقيقة الواضحة التي ينبغي وعيها في هذا السياق، أن كل البلدان العربية ما زالت مصرة على عدم السماح للإسلاميين بالمشاركة المؤثرة في الحكم، وهو ما يعني أن حصاد تجربة الحركة في المشاركة ينبغي أن يبقى ضمن أهداف التمرن على إدارة شأن الدولة والتخفيف من أوزار الفساد الذي شوه الثوب الحكومي في جل الأقطار العربية”.

ويضيف أن “التهمة موجهة لأغلب الأحزاب الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي، نظرا لتخوف الحكومات من استخدام تلك الجماعات للانتخابات كوسيلة للوصول إلى السلطة ثم الانقلاب عليها، ناهيك عن الموقف الأميركي الرسمي الضاغط باتجاه منع الإسلاميين من الوصول إلى السلطة، رغم بعض الأصوات المنادية بضرورة التفريق بين الإسلام المتطرف والعنف مقابل الإسلام المعتدل، وحاجة الولايات المتحدة إلى دعمه في إطار الفرضية القائلة إن دمقرطة الشرق الأوسط هي الطريق الأمثل لمحاربة الإرهاب”.

ويعد نذير مصمودي من الرعيل الأول المؤسس للحركة الإخوانية في الجزائر “حركة المجتمع الإسلامي” رفقة محفوظ نحناح ومحمد بوسليماني ومصطفى عياد في مطلع التسعينات، ولما عاد إلى الجزائر بعد سنوات الهجرة، لفظته القيادات الجديدة لتيار الإخوان، الذي تحوّل إلى “حركة مجتمع السلم”، ووجد نفسه مهمشا من الحزب الذي أسسه ودرج فيه، وبدأت الخلافات بينه وبين أبو جرة سلطاني وعبد الرزاق مقري إلى غاية اللحظات الأخيرة قبل وفاته.

وتميزت هذه الفترة بغزارة تأليفه وكتاباته الجريئة، حول راهن ومستقبل الإسلام السياسي في الجزائر والعالم العربي، وتيار الإخوان على وجه التحديد، ويعد كتابا “بعد الرصاص، الإسلاميون والأسئلة الساخنة” و”متى يدخل الإسلاميون في الإسلام؟” أبرز المؤلفات التي أثارت جدلا واسعا في الساحتين الفكرية والسياسية، كونهما قدما شهادات حية من عمق التيار، واستقرآ أفاقه المسدودة، بعد مراجعات مصمودي لمنظومته الأيديولوجية، وتحوّله من داعية إخواني وناشط سياسي، إلى ناقد لمشروع الإسلام السياسي.

9