نزار بركة وآفاق الروح الشابة لمستقبل السياسة المغربية

الأحد 2017/11/05
حفيد الزعيم علال الفاسي يقود أعرق الأحزاب السياسية في البلاد

الرباط - ما تزال الأوساط السياسية المغربية تتناقل أحاديث وهمسات وتوقعات حول استقبال العاهل المغربي الملك محمد السادس، الأسبوع الماضي، بالقصر الملكي بالرباط، لنزار بركة الأمين العام الجديد لحزب “الاستقلال” المغربي.

ويأتي استقبال الملك لبركة في إطار التقليد الملكي الذي أقره بنفسه باستقبال الزعماء الجدد للأحزاب السياسية.

يقال إن بركة سيدخل حكومة العثماني وقد يتولى حقيبة وزارة التربية الوطنية. وبالمقابل يتردد أن اهتمام الملك ببركة نابع من اهتمامه بعودة حزب الاستقلال العريق إلى الحياة السياسية المغربية بقوة وداخل حكومة العثماني.

وفي الوقت الذي كان فيه النقابي والزعيم السياسي حميد شباط يملأ ردهات بناية حزب الاستقلال وسط العاصمة الرباط صراخا واحتجاجا على حظه المشؤوم الذي ورطه في أكثر من قضية قذف وسب أمام المحاكم المغربية، كان حفيد الزعيم علال الفاسي نزار بركة يتابع مشهداً “سياسياً كوميديا” بطله شباط عمدة مدينة فاس الذي أحكم قبضته على الحزب مثلما أحكمها يوما على تلابيب البرلمان.

الحكمة السياسية العريقة

كان بركة عضو اللجنة التنفيذية لأعرق حزب سياسي في البلاد يتابع بدقة، فهو رجل الحساب والاقتصاد، كل ما يقوم به شباط الذي أراد تسيير الحزب بأسلوب النقابي المتمرد الذي يحاصر صاحب المعمل مبتزا إياه طمعا في المزيد من الربح والزيادة في الأجور. أغلب النقابيين يجدون راحتهم في الزيادة الدائمة والدراهم المتدفقة، لكن بركة، وهو الأستاذ الجامعي وعضو لجنة ابن رشد المغربية-الإسبانية لتقوية التعاون، كان يرصد كل ما يقع للحزب بحكمة وصبر وتروّ.

بدروه، لم يكن عبدالواحد، نجل الزعيم علال الفاسي، بعيدا عن متابعة بركة. فلقاءات العائلة كانت تجمع الشتات وتوسع النقاش، سواء في بيت صهر بركة؛ عباس الفاسي الأمين العام الأسبق للحزب، أو ما كان يصله من صدى اجتماعات مجموعة التصحيح المسماة “بلا هوادة”؛ أي بلا تراجع التي أراد بها نجل علال الفاسي إصلاح ما تورط فيه الحزب بسبب ما وصفوه في حينه بـ”القيادة العوجاء العرجاء لشباط، ميكانيكي الدراجات الهوائية الذي يريد وضع نهاية لحزب ناضل إلى جانب الشعب المغربي في فترة الاستعمار للعودة بالاستقلال والحرية مع زعيم التحرير الملك محمد الخامس، جد العاهل المغربي الحالي الملك محمد السادس”.

هكذا يعلق المدني بوسلهام، أحد المناضلين المجاورين لمنطقة بركة بمنطقة بني عروس، بإقليم العرائش، شمال المغرب.

التقت “العرب” ببركة في الكلية متعددة الاختصاصات بمدينة العرائش، المعروفة بمدينة الفنان المناضل عبدالصمد الكنفاوي. يومها صرح لنا مباشرة بعد المحاضرة التي ألقاها حول تعريفات وأهداف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الذي كان هو رئيسه المُعيّن من طرف العاهل المغربي، أن الممارسة السياسة تشبه الفاكهة، فهي لا تستهلك قبل النضج، لأنها ستكون مُرّة وغير ناضجة، لذلك لا بد من تركها حتى يكتمل نضجها.

كان اللقاء في ربيع العام 2015، وفعلا ظهرت النتيجة، وتم النضج في أكتوبر 2017، وها هو بركة يتربع على أريكة أعرق حزب في المغرب.

نزار بركة يقول لـ"العرب" إن الممارسة السياسة تشبه الفاكهة، فهي لا تستهلك قبل النضج لأنها ستكون مرة وغير ناضجة، لذلك لا بد من تركها حتى يكتمل نضجها

ولد بركة، عام 1964 بمدينة الرباط، وحصل على الإجازة في الاقتصاد القياسي بكلية الحقوق بجامعة محمد الخامس-أكدال في 1985. ثم على شهادة الدراسات المعمقة في الاقتصاد من جامعة “إكس- مارسيليا 3” بفرنسا، قبل أن ينال شهادة الدكتوراه في العلوم الاقتصادية من نفس الجامعة لاحقاً.

وبعد تجربة في ميدان التدريس بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة محمد الخامس-أكدال وبالمعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي، التحق بوزارة المالية عام 1996 حيث تدرج في عدد من المسؤوليات من بينها رئيس مصلحة التوقعات المالية بمديرية الدراسات والتوقعات المالية، ورئيس قسم السياسة الاقتصادية ثم رئيس قسم التحليلات الماكرو-اقتصادية، قبل أن يعين مديرا مساعدا بمديرية الدراسات والتوقعات المالية سنة 2006.

أخلاقيات وتنمية

أصبح بركة عضوا بالمجلس الإداري لمجلس الأخلاقيات والقيم المنقولة، وكذلك عضوا بالمرصد الوطني للتنمية البشرية منذ سنة 2006. ثم عيّن من طرف العاهل المغربي عضوا بلجنة ابن رشد لتقوية التعاون بين المغرب وإسبانيا، كما ساهم في إعداد تقرير الخمسينية حول التنمية البشرية بالمغرب.

وفي أكتوبر عام 2007 عينه العاهل المغربي مجدداً وزيرا منتدبا لدى رئيس الحكومة مكلفا بالشؤون الاقتصادية والعامة، ووزيرا للاقتصاد والمالية بعد خمسة أعوام.

التحق بصفوف حزب الاستقلال مطلع ثمانينات القرن العشرين، ثم تدرج في عدد من المسؤوليات داخل الهياكل القيادية للحزب قبل أن ينتخب عضوا باللجنة التنفيذية له، ثم نائبا لرئيس الأممية الديمقراطية الأفريقية لأحزاب الوسط.

كان عباس الفاسي الأمين العام الأسبق لحزب الاستقلال شديد الحرص على الاهتمام بشباب حزبه، شغوفا جدا بضخ الدماء الجديدة فيه، وكان الشاب بركة، العائد لتوه من جامعة إكس مارسيليا 3 الفرنسية بدكتوراه في العلوم الاقتصادية شابا خلوقا وسيما لا يتكلم كثيرا، لكنه يصغي كثيرا ويشتغل على الملفات توثيقا وليس كلاما؛ “الشفوي يطير والمكتوب يدوم”.

كما قال لي يوما أحد مرافقي الفاسي في حملته الانتخابية بمنطقة القصر الكبير، ويسمّى محمد سليطن، معاون جاد كان قريبا جدا من الفاسي، هذا الأخير الذي قال لي عندما زرته إبان الحملة الانتخابية بضواحي منطقة السواكن التي وقعت بها معركة وادي المخازن، “الشباب عماد الدين والدنيا، والمغرب اليوم محتاج إلى تأهيل شبابه للقيادة السياسية بعدنا”.

الأوساط السياسية المغربية تتناقل أحاديث وهمسات وتوقعات حول دلالة استقبال العاهل المغربي الملك محمد السادس، الأسبوع الماضي، بالقصر الملكي بالرباط، لنزار بركة الأمين العام الجديد لحزب "الاستقلال" المغربي

لم يكن الفاسي شخصية سياسية عادية، لقد كان متطبعا بطبع المحامي المتمرس على الدفاع، فهو في الأصل محام مارس المهنة وظل وفيا لها، لذلك عندما وصلت معه في تلك الأيام الانتخابية بمنطقة القصر الكبير، بداية التسعينات من القرن الماضي، لمّح لي إلى أنه في الأفق يوجد شباب قيادي سيكون له شأن عظيم في القيادة وسياسة الوطن، وكان بركة يومها واحدا من أولئك الشباب الذين تنبأ لهم الفاسي بالارتقاء إلى مستوى المسؤولية السياسية في بلدهم المغرب، ووصوله اليوم ما هو إلا تحقيق لتلك النظرة الاستشرافية التي تنبأ بها الزعيم الفاسي.

تحرير قرار الحزب

ليس اللجوء إلى الصمت دائما خجلا وحياء، بل قد يكون لحظة تركيز للرد الحكيم الحصيف. ولذلك رد بركة، وهو يترشح للأمانة العامة لحزب الاستقلال، على الإشاعات التي كان يروّجها منافسه شباط الذي كان يعتبر أن بركة “مرشح المخزن”، أي مرشح رسمي مدفوع من طرف الإدارة الرسمية للبلاد.

ينفي بركة أن يكون هناك أيّ دعم إداري “مخزني” لترشحه لمنصب الأمانة العامة للحزب، ويشدد على ما وصفه بـ”عدم استقلالية القرار” داخل الحزب في الآونة الأخيرة.

وخلال ندوة صحافية عقدها نزار لتقديم برنامجه الانتخابي لتولي منصب الأمين العام للحزب خلفا لشباط، أكد بأن ترشحه جاء “استجابة لطلبات المناضلين وطلبات التغيير التي عبّروا عنها، ومن أجل النهوض بالحزب والغيرة عليه”، معلقا بالقول “لن نصادر حق أحد في الترشح للأمانة العامة، ولم نطلب من شباط التنازل عن ترشحه”.

ولم يدع السياسي الفرصة تمرّ دون سرد عدد من المؤشرات على ما وصفه بـ”عدم استقلالية القرار” داخل حزبه التاريخي، موردا من بينها “أن يصبح الحزب ملحقاً لحزب آخر، وأن نقرر بناء على قرارات أحزاب أخرى”، داعيا إلى ضرورة “تقوية الديمقراطية الداخلية، وأن لا يتم اتخاذ قرارات انفرادية”.

وبذكاء الاقتصاديين السياسيين جامل بركة منافسه، واصفا إياه بالأمين العام الذي ساهم مع أعضاء اللجنة التنفيذية في الوصول إلى ما تم الوصول إليه اليوم، وهو أن يكون المؤتمر للجميع مبنيا على غيرة الحزب ومؤتمر للوحدة. فنراه يقول “رغم الاختلاف في وجهات النظر والمقاربة المختلفة للعمل الحزبي، لكن لا خلاف بيننا”، مناديا بضرورة إحداث ما أسماه بـ”المصالحة” داخل الحزب، ويضيف بركة “المؤتمر الماضي خلق شرخا داخل الحزب، وبالتالي لا بد من الابتعاد عن الاصطفاف والعمل على اختيار المشروع مع ضرورة ضمان كرامة الأمين العام والتنافس الشريف داخل المؤتمر”.

تجربة نزار بركة مع السياسة تبدأ بالتحاقه بصفوف حزب الاستقلال مطلع ثمانينات القرن العشرين، ثم تدرجه في عدد من المسؤوليات داخل الهياكل القيادية للحزب، قبل أن ينتخب عضوا باللجنة التنفيذية له، ثم نائبا لرئيس الأممية الديمقراطية الأفريقية لأحزاب الوسط

لقد شكل شباط نقطة سوداء على الخارطة السياسية لعدد من زعماء الأحزاب في المغرب، لأنه كان شخصية جريئة. فهذا عزيز أخنوش الأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار يدخل مع شباط في صراع سياسي بلغ ذروته في رفض التجمع مشاركته في الحكومة جنبا إلى جنب مع حزب الاستقلال في شخص أمينه العام شباط الذي كان لا يتوانى في اتهام الأحرار بالولاء إلى الإدارة، وبسبب هذا الاتهام قاطع حزب “التجمع” نظيره “الاستقلال” ولم يشارك معه في ولايتين حكومتين، الأولى مع عبدالإله بن كيران، والثانية مع سعدالدين العثماني.

السياسة كعجلة القطار تدور وتتوقف، كما وصفها الأديب والسياسي عباس محمود العقاد، فخدمة الأهداف والمصالح هي الأقرب إلى السياسيين من أيّ شيء آخر، ففور علمه بفوز بركة بالأمانة العامة سارع أخنوش رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار إلى تقديم التهاني لحليفه المرتقب في الحكومة المقبلة، مؤكدا أن فوزه بالأمانة العامة لـ”حزب كبير وعتيد كحزب الاستقلال يجسد ما يحظى به الأخ نزار من ثقة وتقدير لدى كافة المناضلين والمناضلات”، معبرا عن اعتزازه بالعلاقات الطيبة والنموذجية التي جمعت بين الحزبين على الدوام، خدمة للقضايا الكبرى للمغرب.

يقول نزار بركة بثقة إن الاستقبال الذي خصه به العاهل المغربي “محفز على الانخراط في الإصلاحات الكبرى التي يقودها الملك”، مضيفا أنه تشجيع كبير نحو “تقديم الحلول والبدائل الكفيلة بتحسين ظروف عيش المواطنين والمواطنات”.

8