نزار زكا.. ما هو الثمن الذي سيدفعه لبنان لقاء إطلاق سراحه؟

المعتقل اللبناني السابق نزار زكا ظل يؤكد أنه لم يخرج بموجب أي صفقة إيرانية أميركية أو غيره، لكنه لم يستبعد أن تستغل إيران تلك المسألة أو توظفها في إطار معين.
السبت 2019/06/22
نزار زكا "كنز ثمين" تتهمه إيران بالتجسس ومع ذلك تسلّمه

جاءت أخبار إسقاط إيران للطائرة الأميركية المسيرة التي تقول واشنطن إنها طائرة تجسس من طراز رفيع تمتلك القدرة على التحليق على ارتفاعات عالية، ويبلغ سعرها قرابة المئتي مليون دولار، وبوسعها مراقبة نصف مساحة الخليج العربي على مدار الساعة وإرسال صور فورية للسفن والمحطات البرية، واحتمال رد فعل عسكري من واشنطن لتزيد من عملية إطلاق سراح المعتقل اللبناني الحامل بطاقة إقامة أميركية دائمة نزار زكا من السجون الإيرانية غموضا. ذلك الإفراج الذي شغل اهتمامات اللبنانيين رغم الاستحقاقات السياسية والاقتصادية والمالية التي غرقت فيها حكومة الرئيس سعد الحريري بعد إقرار مجلس الوزراء الموازنة العامة للعام 2019 وإحالتها إلى مجلس النواب بغية إصدارها في قانون.

وما يجعل الأمر جديرا بالتوقف عنده، هو ما يتبادر إلى الذهن حول حادثة إفراج إيران عن سجناء أميركيين في العام 2009 والتي تمكنت من أن تفتتح مرحلة جديدة بين واشنطن وطهران في تلك الفترة، توجّت بالتوصل إلى الاتفاق النووي الذي أبرم في عهد الرئيس باراك أوباما والذي قام الرئيس دونالد ترامب بإلغائه لاحقا.

 وأثار إطلاق زكا بعد احتجازه من قبل طهران في العام 2015 بتهمة التجسس، موجة كبيرة من التساؤلات حول توقيت إطلاق سراحه والجهة التي قامت بالوساطة لدى نظام الملالي. فمن تحليلات وصلت إلى حد وصف العملية بأنها جاءت في إطار مفاوضات سرية بين طهران وواشنطن، إلى تحليلات أخرى وصفتها بأنها جاءت بمثابة تعويم إيراني لعهد الرئيس ميشال عون، وأخرى زعمت بأنها جاءت تلبية لطلب الأمين العام لحزب الله اللبناني السيد حسن نصرالله الذي “يحظى باحترام كبير في إيران” كما زعمت وكالة فارس الإيرانية للأنباء.

لكن مهما كانت الأسباب التي أعادت زكا إلى الحرية، فإن الأسئلة التي لا تزال تطرح وتتمحور حول تلك الصفقة وحول “استجابة” إيران لإطلاق سراح المواطن اللبناني الذي وصفته إيران سابقا بـ“الكنز الثمين”.

بين مخالب الحرس الثوري

وسط تصاعد التوتر الإيراني الأميركي نتيجة تشديد العقوبات على طهران، برزت فجأة الأخبار المتعلقة بقرب توجه المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم إلى طهران لمرافقة زكا في عودته إلى لبنان، لتثير الكثير من التساؤلات
وسط تصاعد التوتر الإيراني الأميركي نتيجة تشديد العقوبات على طهران، برزت فجأة الأخبار المتعلقة بقرب توجه المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم إلى طهران لمرافقة زكا في عودته إلى لبنان، لتثير الكثير من التساؤلات

بدأت معاناة زكا الذي يشغل الأمانة العامة لمنظمة “اجم” التي تُعنى بشؤون المعلوماتية والاتصالات، بعدما وجهت نائبة الرئيس الإيراني السابقة لشؤون المرأة والأسرة، شاهيندوخت مولافردي، دعوة رسمية إليه في سبتمبر من العام 2015، لإلقاء محاضرة في ندوة حول المرأة والتنمية المستدامة. بداية رفض زكا تلبية الدعوة إلا إذا كانت مقرونة بتأشيرة دخول إلى إيران، علما أن أي لبناني قادر على دخول الأراضي الإيرانية من دونها. وبعد تلبية طلبه وتأمين تأشيرة الدخول لبى زكا الدعوة وشارك في الندوة، ثم اعتقله الحرس الثوري خلال انتقاله إلى المطار قبيل عودته إلى بيروت.

ووجهت السلطات الإيرانية إلى زكا تهمة التجسّس لصالح الولايات المتحدة ومثل أمام محكمة “ثورية” وحُكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات وبغرامة قيمتها حوالي 4.2 مليون دولار. استُؤنف الحكم أمام محكمة مدنية، فصادقت على الحكم نفسه، ما عنى أن على زكا أن ينفّذ الحكم المبرم وليس أمامه إمكانية الخروج من السجن مبكرا إلا بموجب عفو خاص. هذا الأمر خلق التباسا إضافيا، خصوصا بعد تصريح المتحدث باسم القضاء الإيراني غلام حسين إسماعيلي إذ قال إن “العفو الذي أصدره المرشد علي خامنئي بمناسبة رمضان لا يشمل نزار زكا. إن السلطات الإيرانية تدرس طلباً لبنانيا، تقدم به الرئيس اللبناني ميشال عون. الجهات القضائية ستراجع الطلب في إطار اللوائح القانونية للإفراج عنه”، رافضا تحديد مهلة محددة.

وطيلة مدة توقيف زكا في إيران، نشطت الاتصالات القانونية والسياسية في محاولة لتبيان حقيقة التهمة الموجهة إليه. كما دخلت الوساطات على الخط بدءا من عائلة زكا التي ناشدت رئيسي الجمهورية والحكومة ووزير الخارجية جبران باسيل التدخل لدى السلطات الإيرانية للإفراج عن “المتهم البريء”. غير أن جميع الجهود العلنية وغير العلنية فشلت في الوصول إلى الغاية المنشودة، غير أنه مع بدء تصاعد التوتر الإيراني- الأميركي نتيجة تشديد العقوبات الأميركية على نظام الملالي، برزت فجأة الأخبار المتعلقة بالطلب الذي وجهه الرئيس عون إلى نظيره الإيراني حسن روحاني وعن قرب توجه المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم إلى طهران لمرافقة زكا في عودته إلى لبنان وهو ما حصل.

استنادا إلى المحامي أنطوان أبي ديب الوكيل القانوني لعائلة زكا فإن موكله كان “رهينة”، لأن المؤشرات كلها تقود إلى أن الملف فارغ ولا قضية أصلا، مشيرا إلى أنه “حتى الأمن العام ووزارة الخارجية التي تولّت متابعة الملف متأخرة، وتواصلت مع الجهات الإيرانية، لم يأتيا بشيء يُذكر حول جدية الاتهام”.

زكا يروي تفاصيل مثيرة عن ظروف اعتقاله، ويؤكد أن سجن إيفين في طهران "يضم مئات المعتقلين ظلما وأبرياء من جنسيات عربية من العراق وأخرى مقيمة في أميركا والسويد وإنكلترا والنمسا"
زكا يروي تفاصيل مثيرة عن ظروف اعتقاله، ويؤكد أن سجن إيفين في طهران "يضم مئات المعتقلين ظلما وأبرياء من جنسيات عربية من العراق وأخرى مقيمة في أميركا والسويد وإنكلترا والنمسا"

غير أن ما تم تناقله عبر وسائل الإعلام، فإن وكالة فارس شبه الرسمية الإيرانية عزت خبر إطلاق سراح زكا إلى طلب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، في الوقت الذي أكد فيه إبراهيم أنه وصل إلى طهران بناء على توجهات السلطة الرسمية وأن الإفراج عن زكا يأتي نتيجة الوساطة اللبنانية للرئيس عون، وليس لحزب الله أي دور سوى دعم طلب الرئيس اللبناني.

عراقيون في سجن إيفين

وفور وصول زكا إلى لبنان زار قصر بعبدا برفقة اللواء إبراهيم وقابل الرئيس عون لشكره على الجهود التي بذلها في سبيل الإفراج عنه وأدلى بتصريح صحافي أكد فيه أن المبادرة للإفراج عنه “ولدت في لبنان وتنتهي في لبنان وأنها صناعة وطنية مئة في المئة ولا أخفي أن هذه المبادرة أدت إلى نتائج إيجابية”. وأضاف “ما زلت قوميا صامدا، ورأسي مرفوع، فلم يتغير فيّ إلا زيادة شراستي في حرية التعبير والوصول إلى الإنترنت”.

وتوالت المقابلات الصحافية بعدها حيث أشار في إحداها إلى أنه كان واثقا من خروجه من سجن إيفين، بعد أن حدد له وزير الخارجية باسيل شهر رمضان كموعد محتمل لتحريره، قائلا “كنت واثقا لأنّ الوزير باسيل وفق معرفتي الشخصية به لا يخوض في أمر من غير أن يكون متأكّدا حد الحزم من إنجازه”. ويشدّد زكا على أن الدولة اللبنانية وحدها هي التي سعت لإطلاق سراحه، مشيراً إلى أنه “مدين لرئاسة الجمهورية اللبنانية، ولمدير عام الأمن العام، لسعيهما إلى إطلاق سراحه من سجون إيران”.

كشف زكا تفاصيل مثيرة عن ظروف اعتقاله، وقال إنه تعرض خلال السنة الأولى من اعتقاله لأسوأ أنواع التعذيب الجسدي، وبعد ذلك بدأ التعذيب النفسي، مؤكّدا أن سجن إيفين في طهران، “من السجون المعروفة بقسوتها، ويضم مئات المعتقلين ظلماً”، مضيفا أن “هناك أشخاصا أبرياء من جنسيات عربية من العراق وأخرى مقيمة في أميركا والسويد وإنكلترا والنمسا داخل السجن”.

وكشف أنه تعرض خلال الفترة الأولى لضغوط لا توصف من قبل عناصر الحرس الثوري لكي يقول إنه جاسوس، إلا أنه رفض ذلك، قائلا إنه وضع لأكثر من سنة في سجن انفرادي، ثم نقل بعدها إلى زنزانة مشتركة.

إطلاق سراح زكا بعد احتجازه من قبل طهران في العام 2015 بتهمة التجسس، يثير موجة كبيرة من التخمينات، بعضها يتحدث عن مفاوضات سرية جارية بين واشنطن وطهران، وبعضها الآخر يعتبره بمثابة تعويم إيراني لعهد الرئيس ميشال عون
إطلاق سراح زكا بعد احتجازه من قبل طهران في العام 2015 بتهمة التجسس، يثير موجة كبيرة من التخمينات

 وكانت الحكومة الإيرانية قدمت لزكا هدية في اليومين الأخيرين من سجنه في معتقل إيفين حيث أشار إلى أنه “تم اصطحابي في جولة تسوق، جرى إهدائي سجادة من النوع الثمين ولوحة زيتية وهدايا أخرى كعربون اعتذار عما حصل معي في أعوامي الأربعة الأخيرة”.

وشدد زكا على أن الحرس الثوري هو من قام باعتقاله وليس المخابرات الرسمية، لأنه دعي إلى طهران من قبل الدولة الإيرانية، فقد وجهت له دعوة رسمية في العام 2015 من قبل نائبة رئيس الجمهورية الإيرانية، حسن روحاني، للمشاركة في مؤتمر تقنية المعلومات وخلق فرص عمل للنساء.

وعن لحظة الإفراج عنه، أكد أنه لم يصدق عينيه، وظلت الشكوك تراوده حتى صعد إلى الطائرة برفقة مدير عام الأمن العام اللبناني، وتأكد من أنها “خالية من أي إيراني”. وقال زكا في رد على سؤال حول إمكانية أن يزور طهران مجدّدا “لن أصعد حتى على متن طائرة تحلق فوق الأجواء الإيرانية، فما تعرضت له لا يطاق”.

المعتقل اللبناني السابق ظل يؤكد طيلة الوقت أنه لم يخرج بموجب أي صفقة إيرانية أميركية أو غيره، لكنه في الوقت عينه لم يستبعد أن تستغل إيران تلك المسألة أو توظفها في إطار معين، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن “إطلاق سراحه من قبل طهران قد يخفف قليلا من التوتر الحاصل في المنطقة”.

والتساؤل الذي يدور اليوم في الأروقة هو هل سيكون على لبنان أن يدفع ثمنا مقابل إفراج طهران عن زكا؟ وهل يندرج ذاك في سياق ترتيب أوراق حزب الله مع واشنطن؟  وهل سيزيد هذا من نفوذ الحزب على الساحة اللبنانية والسورية أم أنه يصب فقط لصالح طهران ومحاولاتها التحايل على الضغوط الأميركية بالتصعيد حينا والتهدئة في أحيان أخرى؟

12