نزار صابور رسام سوري لم تأخذه الحرب بعيدا عما يحب

صابور يعيد صياغة مصيره بتأثير مباشر من الحرب التي لم يرسمها ولن يقوم بذلك، ففكرته عن الحياة هي عينها فكرته عن الرسم.
الأحد 2018/11/25
صابور صديق المواد الذي يؤثثها بأحلامه

ليس هو تماما. لن يكون كذلك في مستقبل أيامه. ذلك ما صارت رسوم الزمن العصيب تشي به وهي رسومه التي لا تزال تشبهه.

ما كان يبحث عنه ملتبسا وغامضا لن يعثر عليه بعد الآن بيسر. لقد هجره خيال الشعر ولم يبق له سوى أثر الوجع الذي تتركه المشاهد الطللية. صار يرسم بلادا عرفها بطريقة مختلفة. لم تخذله ذاكرته غير أن الحياة التي كان يود لو أنه عاشها مستعينا بالشعر لا تستسيغ الذكريات بالرغم من أنه شغف في مرحلة من حياته بالوحدات الجمالية التراثية. لم يكن يظن أن عودة اضطرارية إلى المشهد الطبيعي ستكون بمثابة خيط نجاة وصرخة احتجاج وشهادة براءة.

أبرياء وشياطين

 “لا أود أن أكون رساما من أجل الفجيعة، غير أنني فعلتها” لم يقلها مباشرة غير أن رسومه انجرفت به إليها.

“للمرة الأولى في حياتي أردد أسئلة كأنني ولدت اليوم ولا أعرف أن على الأرض شياطين يغلب عددهم عدد الأبرياء” ذلك ما كتبته لور غريب، الناقدة اللبنانية مصدومة حين رأت رسومه في معرضه الذي أقامه في قاعة مارك هاشم ببيروت عام 2016.

لم يكن نزار صابور يتمنى أن يكتب عن رسومه مثل ذلك الكلام الجارح والموجع لو لم تقع الحرب.
لم يكن نزار صابور يتمنى أن يكتب عن رسومه مثل ذلك الكلام الجارح والموجع لو لم تقع الحرب

تضيف غريب “لا أدري إن كان جمهور الصالة البيروتية يعرف وقع الأسماء والألوان والمشاهد الرمادية على المضمون داخل هذه اللوحات المعلقة التي تدعو إلى البكاء أو أقله إلى التأمل بما هو مسطر، وبالكاد ملون، وهو يروي لي ولهم حكايات كانت تتضمن ركض الأولاد وضحك الكبار وتلاقي الأحياء وحبكات الرقص وكلمات المواويل القروية عندما تتألف الحلقات وتروى الحكايات ويغني الأطفال وتصفق أيدي الكبار. الله كم الحروب تقتل فينا موهبة الأحلام”.

لم يكن نزار صابور يتمنى أن يكتب عن رسومه مثل ذلك الكلام الجارح والموجع لو لم تقع الحرب. 

الرسام السوري استدار بمصيره ليعيد صياغته بتأثير مباشر من الحرب التي لم يرسمها ولن يقوم بذلك. ففكرته عن الحياة هي عينها فكرته عن الرسم. يأسر الفن لحظة الغموض التي تنطوي عليها الحياة وهي تخترق الزمن. هناك يكمن سر النضارة التي يستعرضها الفن في مواجهة الموت. 

لذلك لم يشأ صابور أن يرسم الحرب لأنها الموت الذي لا يشبع لذة شعوره بالغموض الذي لا يفارق الفن.

بين التراث والشعر

ذاكرته لم تخذله، غير أن الحياة التي كان يود صابور لو أنه عاشها مستعينا بالشعر لا تستسيغ الذكريات
ذاكرة صابور لم تخذله، غير أن الحياة التي كان يود لو أنه عاشها مستعينا بالشعر لا تستسيغ الذكريات

ولد صابور في اللاذقية عام 1958. انتسب في صباه إلى مركز اللاذقية للفنون. هناك تلقى أولى جرعات الشغف الجمالي من معلمه عبدالله الحلو الذي أهدى إليه لاحقا معرضا أقامه عام 2001 كان عنوانه “عن الحب”. أنهى عام 1981 دراسة الفن في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق. حصل عام 1990 على شهادة الدكتوراه في فلسفة علوم الفن من جامعة موسكو. درس الرسم في الكلية التي تخرج منها وكان رئيسا لقسم التصوير ما بين عامي 2005 و2008. أقام صابور معرضه الشخصي الأول عام 1976 في مركز الفنون التشكيلية باللاذقية.

حين يُذكر فاتح المدرس فإن صابور لا يُخفي تأثره بمسيرة وأفكار معلمه. يقول عنه “كان تأثيره طاغيا على خطواتي، نظرا إلى أفكاره الطليعية وتأصيله لوحة محلية من دون ادعاءات نظرية”.

التراث من جهة والشعر من جهة أخرى هما طرفا المعادلة التي زود صابور عناصر توازنها بالكثير من خياله وخبرته ومهارته وتمكنه التقني من المواد الطبيعية. طور رؤية شخصية للتراث فلم يتعامل مع الوحدة الجمالية المستعارة باعتبارها أثرا مقدسا لا يمس بل أضفى عليها شيئا من الحياة لكي تسمح له بأن يلعب معها ومن خلالها. أما الشعر فقد كان ملهمه الغامض الذي فتح أمامه أبوابا أطل من خلالها على حدائق لونية لم تكن لتُرى لولا الانفعال الذي يجعل منه الشعر شرطا للحياة.

طور صابور أسلوبه الشخصي بهدوء مستندا إلى قاعدة، استبعد من خلالها المعالجة المباشرة لموضوعاته التي تميزت بالحنين إلى ما هو غائب، بحيث بدا أسلوبه رمزيا وهو ما لم يكن يسعى إليه.

موقف شعري من العالم

صابور شغف في مرحلة من حياته بالوحدات الجمالية التراثية
صابور شغف في مرحلة من حياته بالوحدات الجمالية التراثية

لم يخلق صابور عالما فنيا ذا طابع أدبي. لذلك لم يكن فنه تعبيريا، بالمعنى الذي يطرح من خلاله مضامين تحيل إلى حالات إنسانية يمكن التعبير عنها بالكلمات. لقد اجتهد الرسام في أن يضع بينه وبين التعبير الأدبي مسافة يمكن أن تُرى من خلال التركيز على جماليات الواقعة التي تمثلها العلاقة بين الوحدات التشكيلية. هذا رسام يعتبر الرسم خلاصة صلته بالعالم وهو يحرص على نقاء تلك الصلة.

لقد وضع صابور في اعتباره أنه لا يُمَكن لفكرة الانتقال من اللحظة الجمالية التي هي بشارته إلى العالم. من خلالها يمكنه أن يعلن عن وجوده كائنا مختلفا. غير أن خشيته من الأدب لم تقف بينه وبين الاستغراق في الشعر. لقد رأى في الشعر شيئا مختلفا وهو محق في ذلك. فالشعر لا يخضع لأفكار مسبقة وهو يصنع قاموسا مختلفا للغة هو ذاته الذي يحقق من خلاله الرسم نشوته وهو يُنشئ عالما لم يكن موجودا من قبل. وهكذا يكون الرسم ندا للشعر من جهة قدرته على ابتكار لغة غير مستعملة من قبل.

ما اكتشفه صابور في الشعر لا يمت إلى أدبيته بصلة. هناك الكلمات التي تخلق إيقاعا هو مصدر مزاج لغوي مختلف. وهو ما كان حريصا على تجسيده من خلال عناوين معارضه. “جسد يهوي فتنهره الروح”، “حياة في الرماد”، “سعادة ما أمكن”، “بوابات الروح”، “عن الحب”، “عنترة زماننا”. وهي عناوين إن لم تكن مستعارة من الشعر فإنها تقود إليه.

صديق المواد بشروطه

صابور لم يخلق عالما فنيا ذا طابع أدبي
صابور لم يخلق عالما فنيا ذا طابع أدبي

أخذته الحرب بعيدا عن مرسمه. لم تأخذه أكثر مما يحب. الرسام المنفصل عن موضوعه لا يزال في مكانه، مسلحا بثقة عميقة بأسلوبه في معالجة ما يطرحه عليه العالم الخارجي من تساؤلات. لم يسمح لموضوعه بأن يغير من علاقته بأدواته ومواده وطريقة معالجته لتلك المواد وهي مواد ترتبط بها طريقته في النظر إلى عالم صار أشبه بالعدو.

لقد درج صابور على استعمال مواد مختلفة في لوحاته إضافة إلى المواد الفنية التقليدية. من تلك المواد “الرماد والرمل والطين وجفت الزيتون”. لم يسع الرسام من خلال تلك المواد إلى ابتكار نوع من الملمس غير المألوف والمفاجئ للسطح، بل كان يرغب في الحصول على التأثير البصري للمادة نفسها. تلك محاولة تجسد طريقته الشخصية في المصالحة.      

المصالحة مع الطبيعة عن طريق موادها التي يسترضيها والمصالحة مع التراث من خلال وحداته التي يغمرها بعاطفته. وفي الحالين فإنه لا ينوي الإقامة هناك. لا في الطبيعة ولا في التراث. إنه يفعل ما يجده مناسبا لحساسيته الجمالية التي تتحرك وفق إيقاع شعري خفي. الرسام هنا يستعمل الجزء لينفصل عن الكل كما يفعل الشاعر تماما حين يهرب بالكلمات من سياقها اللغوي ليخلق بها ومن خلالها لغة أخرى.

يمكنني القول إن نزار صابور هو صديق المواد التي يلزمها بشروطه بالرغم من أنه لا يخرجها من طبيعتها ولا يستغلها كما لو أنه غريب عنها. لذلك يشعر المتلقي وهو يرى لوحاته أن كل شيء قد وضع في مكانه. ما من خطأ في الاستعارة وهو ما يقود إلى عدم الحاجة إلى التأويل. ذلك ما جعل الرسام مطمئنا إلى انقطاع الصلة بين عالمه الفني والرمزية. فالمواد التي يستعملها لا تغادر طبيعتها أما الوحدات فإنها تظل مقيمة في ما كانت تؤديه دائما من وظائف. شيء ما يجعل كل شيء شخصيا في عالم نزار صابور، ذلك الشيء يعود إلى قوة الشعر التي يمكنها أن تحول العادي والمألوف والمهمل إلى حدث خارق واستثنائي لا يمكن نسيانه.

صابور درج على استعمال مواد مختلفة في لوحاته إضافة إلى المواد الفنية التقليدية
صابور درج على استعمال مواد مختلفة في لوحاته إضافة إلى المواد الفنية التقليدية

 

9