نزار عثمان يبدأ لوحته من حيث ينتهي الكاريكاتير

الخميس 2015/04/30
لوحات نزار عثمان محملة بومضات عاطفية تحفز على التفكير

بيروت - تقيم أعمال الفنان نزار عثمان على الحدود، في منطقة حدودية بين واقع محسوس وعالم مبني على الإحالات الشعورية، الألوان في عالمه الحدوديّ ليست مجرد خلفية للشخصيات أو الأشياء المرسومة، إذ تظهر وكأنها بنية قائمة بذاتها، تنبثق منها الأشكال وكأنها تفلّتت من سجن ما، ذلك أكثر ما يميز عمل الفنان التشكيلي السوري المولود سنة 1974 والمقيم في لبنان.

لم تكن بداية حياة الفنان التشكيلي السوري نزار عثمان سهلة، فقد توفي والداه خلال الحرب الأهلية اللبنانية وتولّت جدته وخالته تربيته، لذا لم يكن مستغربا أن تدخل الجدة والخالة إلى قلب عالمه الفنيّ بعيدا عن قساوة الحياة، من خلال سلسلة لوحات محمّلة بومضات عاطفية تُخرج الناظر إليها من محدودية المشهد المرسوم.

نذكر من هذه الأعمال تلك التي تصور الجدّة وهي تُعلق على حبل الغسيل صورا عديدة من ضمنها صورة صبيّ صغير. يتبنى الفنان العاديَّ ويجعل منه مدخلا إلى عالم مرتبط بحياة الإنسان بشكل عام وبحياة الفرد العربي بشكل خاص، هذا العادي هو ما يستحق الدفاع عنه وهو المؤسس للحميم والذاكرة التي تتكون منها السيّر والأوطان.

ومن هذه اللوحات: لوحة تصوّر قدمي الجدّة وهما في وعاء ماء، تقف على حافته بطة بلاستيكية صغيرة إلى جانب بطة أخرى، تسبح في مدى الزرقة المحيطة بالوعاء.

نزار عثمان: أردت أن أنقل وأعمق الكاريكاتير لأجعله نصا فنيا قائما بذاته

خلفية اللوحة الزرقاء تصبح هي الحاضنة والعنصر التشكيلي الأكثر أهمية من الزُرقة المحضونة في وعاء الماء. هناك لوحة أخرى تبدو فيها الخلفية تهمّ بابتلاع الشخص المرسوم، وهو يحاول أن يصغي لما ينقل إلى مسامعه عبر جريدة ملفوفة بشكل قمع ورقيّ.

يشير نزار عثمان أنه في بدايته الفنية كان يرسم المشاهد الطبيعية التي كانت محور اهتمامه الوحيد. أقام معرضا في المركز الثقافي الروسي في بيروت حمل عنوان “قامات التيه” قدم من خلاله مجموعة من الأعمال التعبيرية، لينتقل بعد ذلك إلى موضوع الجدّة والخالة اللتين شكلتا بالنسبة إليه حيزا شعريا واحدا تمظهرت من خلاله معان إنسانية كالعنفوان والحنان، والثبات والتعلق بالحرية ومفهوم الثورة.

يضيف الفنان قائلا “كنت أعمل في صحيفة كرسام كاريكاتير، وهو عمل فني يتطلب سرعة واختصارا وقدرة على إظهار التهكم أو النقد الذي يقف وراء الرسم المُنجز. اكتسبت من عملي هذا خبرة كبيرة مما ساعدني على بناء النص التشكيلي الذي بدأت أشتغل عليه حصرا بعيدا عن الكاريكاتير”.

غالبا ما كان يُساء تقدير قيمة الكاريكاتير في المنطقة العربية، أو على الأقل كان يُعتبر فنا أدنى، مكانه الوحيد الجريدة اليومية. وكان عثمان يعي ذلك تماما، لذلك أراد أن ينقل ويعمّق عمله ليجعله نصا فنيا قائما بذاته.

وفي هذا الخصوص يقول “مازلت أختبر الأساليب وأسعى إلى تطوير عملي الفني، فأنا الآن بصدد الغوص في عالم الـ”هيبر رياليزم” دون الخروج عن الخط الذي أعتمده من ناحية الأفكار المطروحة أو النكهة الفنية، إنها تجربة جديدة أخوض غمارها بكل شوق”.

ربما تحتل “الصحيفة” التي رسمها الفنان كلثام للوجه، وكمياه “معلوماتية” دافقة، و”كفن” يلف شهيدا، أو مُجرّد مادة ورقية يُلف بها رأس خروف مذبوح أو منديل لجمجمة إنسانية، موقعا مهما في أعماله الفنية،وقد يتأكد ذلك في لوحاته القادمة.

إذا كان غياب المعلومات أو كتمانها هو ما كان سائدا على المحور في فترة سابقة، فإن الفترة- المفصل التي يقف أمامها نزار عثمان، وغيره من الفنانين العرب الموهوبين تتطلب منهم محاولات حثيثة للإجابة عن أسئلة من قبيل: ماذا نفعل بهذا الكمّ من المعلومات؟ وما هو موقفنا حيالها؟

16