نزار علي بدر يشكل بالحجارة أوجاع اللاجئين في الشتات

يبكي النحات السوري نزار علي بدر كل من يرى منحوتاته، وكيف لا.. وهي تحكي مأساة شعب، أجبره الظلم والتدمير والخراب، على هجر الوطن، والتشتت في مجاهل الغربة والضياع في بلاد الآخرين؟
الجمعة 2016/11/11
صرخة حجر

قطعة من صلصال، وسكين مطبخ، وأصابع غضة؛ كانت بداية مشوار النحات السوري نزار علي بدر، ورحلته مع الحجر، وهو في عمر السبع سنوات، كان يشكل مشاعره الصغيرة بقطع الصلصال، ثم تمر السنوات، فيجلس تحت أقدام جبل صافون بسوريا، وينحت بحجارته الصغيرة الآلاف من اللوحات.

قال نزار لـ”العرب”، في حوار عبر الهاتف من اللاذقية “موهبة النحت كانت بداخلي منذ الصغر، والصورة ما زالت محفورة في قلبي حتى اليوم”، وتساءل، هل هي الجينات؟

عاد ليرد على السؤال، فوصف نفسه “أنا جبل صافون السوري، الأوغاريتي، أنا ابن لأسلافي الأوغاريتيين، الذين تركوا الجبل أمانة في جيناتي، ولهذا أعمل جاهدا على إيصال رسالتي إلى الإنسانية، وأعتقد أن رسالتي قد وصلت، ولامست ضمير كل من لم يخلع ثوب إنسانيته”.

وجبل صافون هو الذي يحرص نزار على توقيع اسمه دائما على منحوتاته، فخرا بأن أحجار تلك المنحوتات أتت من هذا الجبل الشامخ، وأنه يتلبسه، وهو الجبل “الأقرع”، عرش الإله بعل، إله السوريين في الديانات القديمة، والذي يبعد عن مدينة اللاذقية 65 كيلومترا، وعنه قال نزار “هذا الجبل لا يمكن أبدا إلاّ أن يكون جبلا سوريا”. بمنتهى الفخر، أشار نزار لـ”العرب” إلى أن تلك الحجارة الصغيرة الملونة، غُسلت دهورا، تحت أقدام جبل صافون، وعايشت الحضارة السورية، وكم كان التاريخ شاهدا على عظمة الأمة الإسلامية.

وقد جذبت حجارة صافون، بألوانها وتشكيلاتها الطبيعية، نزار علي بدر منذ ربع قرن، فراح يشكّل منها أعمالا رائعة، على شاطئ البحر المتوسط (بوسيدون كما كان يسمى قديما).

وشكّل بحجارة صافون، ما يتجاوز 25 ألف عمل، وهو لا يحسب أيام عمره، إلاّ بتلك التي أمضاها وهو ينحت الحجر، ثم يشكله.

الفنان، الذي يقضي أغلب أوقاته في البراري، ليشكل الأحجار وينطقها فنا، شرح الأمر لـ”العرب” قائلا “أنا نحات حجر، وبمتحفي الآلاف من القطع الكبيرة والصغيرة أحتفظ بها، وتساوي ثروة طائلة، لكنني أرفض بيعها، وسأتركها لوطني ولأبنائي، وللأجيال التي ستبني سوريا، إرثا حضاريا، بدلا من الآثار التي تُنهب وتدمر بالأيدي الجاهلة”.

نزار علي بدر: أعتقد أن رسالتي قد وصلت، ولامست ضمير كل من لم يخلع ثوب إنسانيته

ولحجارة صافون، أبجدية، كالأبجدية المسمارية “الأوغاريتية”، وقال “حجارتي ليست بحاجة إلى علماء لفك رموزها، ولن يتمكن أحد أن يشكل بها أعمالا كما شكلت أنا، فعشقي للحجر لا يمكن وصفه، وأكبر إنجاز أو تكريم لي، هو إعجاب الناس بفني ومنحوتاتي”.

نزار، الذي لم يدرس الفن، بل كانت موهبته فطرية، لم يخرج من سوريا عقب ثورتها والخراب الذي لحق بها، في كل يوم، يزداد إصرارا على المكوث في محبة وأحضان جبل صافون، يناجي أحجاره، ويطوعها فنا بيديه.

ويضيف “كانت صرختي الأولى قبل 6 سنوات، وتردد صداها عبر البحار، قالت الصرخة: أوقفوا الحرب، نريد أن نعيش بسلام، فثقافة الحياة عندنا نحن السوريين عظيمة، ولن نيأس، وسنصون الأرض، ونعمرها بالمحبة”.

وأيقظت قوافل الراحلين، الذين تخيل نزار صورهم في الشتات، وشعر بالوجع الذي يعانونه خارج حدود الوطن المنهك، روحا متقدة بالحزن داخل نفسه، فعبّر عنها بالآلاف من المنحوتات.

وخصصت الكاتبة الكندية، مارغريت رورس، لمنحوتات نزار بدر، كتابا له وحده، وصدر في كندا مؤخرا، حمل عنوان “حصى الطرقات”، يحكي عن رحلة عائلة سورية لجأت إلى الشتات، وتعذّبت.

وأوضح نزار لـ”العرب”، “اتحاد الفنانين السوري، وبمساعدة البعض من الأصدقاء بالدنمارك، أقام لي معرضا متنقلا، ويعكفون الآن على تجهيز معرض آخر في فرنسا، ووافقت على استخدام الآلاف من الملصقات بالمعرض، لجني المساعدات للاجئين السوريين، دون مقابل مادي”.

أعمال رائعة من حجارة صافون

وحظيت منحوتات نزار بشهرة كبيرة أثارت إعجاب كل من رآها، فهي تشد كل من يقف أمامها، بدقتها وتعبيراتها، حيث يشكل أزهارا وبيوتا، وحيوات، ويجسد مشاعر الحب والود والحزن أيضا.

هذه منحوتة لجنازة رجل محمول على الأعناق، وتلك لأسرة لاجئة؛ حيث الأم والأب يحملان أمتعتهما البسيطة وأطفالهما ويرحلان دون أمل، وتلك منحوتة لامرأة تبكي، وأخرى لرجل يصرخ، ومنحوتات لأطفال يلعبون، وأطفال آخرين يغرقون في البحر (بحر اللجوء)، إنه عالم بكل تأثيراته الحسية صنعه نزار علي بدر.

وكان للمجموعة الخاصة بمنحوتات اللاجئين السوريين، أثر حزين على كل النفوس التي شاهدتها، إذ التعساء الذين نحتهم، كانوا مطأطئي الرؤوس، ويسيطر الخوف عليهم، وكان الأطفال الصغار مختبئين خلف آبائهم وأمهاتهم.

وأمضت كاتبة صحافية فرنسية، أسبوعا كاملا، غارقة في عالم نزار علي، تكتب عنه وعن منحوتاته، وتنشرها في فرنسا وفي سويسرا، كان هناك حفل موسيقي لتكريم رائد الموسيقى الآلية في العالم كارل هانز ستك هاوزن، بعنوان “صور من الشرق”، وتم ذلك بمرافقة لوحات نزار.

17