نزار قباني شاعر لو شرح جسمه لسالت منه عناقيد وتفاح

السبت 2014/07/05
قباني الدمشقي الذي لا يغيب

“لقد ألقيت القبض على الشعب العربي من المحيط إلى الخليج”. كهذا كان يقول الشاعر الراحل نزار قباني عندما كان يسأل عن علاقته بجمهور الشعر في العالم العربي، وقد يكون على حق إذ أنه ولا شاعرا عربيّا واحدا استطاع أن يصل إلى قلوب العرب مشرقا ومغربا، وبجميع شرائحهم مثلما فعل هو.

ويعود ذلك إلى أنه ابتكر لنفسه، ومنذ البداية، لغة سهلة، بسيطة، تطير مثل فراشة جذلى لتحطّ على كلّ قلب. بالإضافة إلى كلّ هذا، خاطب نزار قباني الناس بما يفهمون، مخصّصا شعره لقضاياهم النفسيّة، والعاطفيّة، والاجتماعيّة، والسياسية. كما أنه ثار على التقاليد البالية، تلك التي تحطّ من قيمة المرأة. لذا أراد منذ البداية، أن يكون صوت المرأة، وصرختها المدويّة.

وقد ولد نزار قباني في مدينة دمشق يوم 21 مارس 1923. وهو يصف البيت الذي فيه ولد، ونشأ بـ”قارورة عطر”. وكان أيضا “شجرة النارنج تحتضن ثمرها”. وفي كتابه البديع “قصتي مع الشعر”، كتب نزار قباني عن هذا البيت قائلا: “لقد ترك بيتنا بصماته واضحة على شعري تماما كما تركت غرناطة وقرطبة وإشبيلية بصماتها على الشعر الأندلسي”.

وفي عام 1945 نال نزار قباني شهادة الحقوق من الجامعة السوريّة غير أنه لم يمارس المحاماة. وقد ساعدته اللغة الفرنسيّة التي تعلّمها في الثانويّة على اكتشاف كبار الشعراء الفرنسيين من أمثال فيكتور هوغو وبودلير وفرلين، وجاك بريفير الذي كان الأقرب إلى عالمه الشعري.

وكان انتحار شقيقته بالسمّ بسبب رفض العائلة تزويجها من الشاب الذي تحب حدثا قاسيا على الفتى نزار. بل لعلّه الحادث الذي حدّد الهدف الأساسي لمسيرته الشعريّة. وفي “قصني مع الشعر” كتب عن هذا الحادث الأليم يقول: “صورة أختي الكبرى وصال وهي تموت من أجل الحب محفورة في لحمي.لا أزال أذكر وجهها الملائكي، وقسماتها النورانيّة، وابتسامتها الجميلة وهي تموت. كانت في فتنتها أجمل من رابعة العدوية، وأروع من كليوبارترا المصريّة”.

ويقرّ نزار قباني أن موت أخته في سبيل الحب كان أحد العوامل النفسيّة التي جعلته “يتفرّغ للحبّ” بكلّ طاقاته، و”يهبه أجمل الكلمات”. كما أنه أراد أن ينتقم لها من مجتمع “يرفض الحب، ويطارده بالفؤوس والبنادق”.

انشغال نزار قباني بالمرأة والحب، لم يلهه عن القضايا الاجتماعية والسياسية التي يواجهها العالم العربي. فكان يرى أن الشاعر هو صوت شعبه، وسوْطه أيضا. فإذا ما انتقده وعرّاه فليس ذلك بهدف الكشف عن عورته ومساوئه، وإنما لكي يحثّه على النهوض


قالت لي السمراء


وفي عام 1944 أصدر نزار قباني مجموعته الشعرية الأولى التي حملت عنوان: “قالت لي السمراء”. وحال صدورها أثارت هذه المجموعة موجة عارمة من السخط خصوصا لدى المتزمتين الذين طالبوا بمحاكمته بسبب قصيدة عنوانها “نهداك”، وفيها كتب يقول:

سمراء صُبّي نهدك الأسمر في فمي

نهداك نبْعا لذّة حمراء تشعل لي دمي

وبفضل المجموعة المذكورة، أصبح نزار قباني شاعر الحب والمرأة بامتياز. وكان يقول إن الذي يحب امرأة “يحبّ وطنا، والذي يحبّ وجها جميلا يحبّ العالم”. أما البلاد العربية بحسب رأيه فلا ترى الحب “إلاّ من ثقب الإبرة، ولا تراه إلاّ من خلال جغرافيّة جسد المرأة! في حين أن الحب الحقيقي هو “عناق الكون، وعناق الإنسان”. وعن موقفه من المرأة يقول نزار قباني: “إني أربط قضيّة تحرير المرأة بحرب التحرير الاجتماعيّة التي يخوضها العالم العربي اليوم. إني أكتب اليوم لإنقاذها من أضراس الخليفة، ومن أظافر رجال القبيلة. إني أريد أن أنهي حالة المرأة الوليمة، والمرأة “المنْسف”، وأحررها من سيرة عنترة، وأبي زيد الهلالي”.


طفولة نهد


بعد تخرجه من الجامعة، عمل نزار قباني في السلك الديبلوماسي، متنقلا بين القاهرة ولندن وبيكين ومدريد حيث توقف على أمجاد العرب. ومن ذلك استوحى العديد من القصائد. وفي عام 1948 صدرت مجموعته الشعرية الثانية التي حملت عنوان: “طفولة نهد”. ومثل الأولى، أثارت هذه المجموعة سخط المتزمتين “فذبحوها من الوريد إلى الوريد” حسب تعبير صاحبها. مع ذلك أتاحت له فرصة الحصول على شهرة واسعة في جميع أنحاء العالم العربي، ومكّنته من نحت لغة خاصّة به. وعن هذه اللغة كتب يقول: “كانت لغة الشعر متعالية، بيروقراطيّة، بروتوكوليّة، لا تصافح الناس إلاّ بالقفّازات البيضاء، ولا تستقبلهم إلاّ بربطة العنق الداكنة. وكلّ ما فعلته أنني أقنعت الشعر أن يتخلّى عن أرستقراطيته، ويلبس القمصان الصيفية، وينزل إلى الشارع ليلعب مع أولاد الحارة، ويضحك معهم، ويبكي معهم”.

في المرحلة الأخيرة من حياته ظل نزار قباني مشدودا إلى الموضوعين ألأساسيّين في مسيرته الشعرية، أعني بذلك الحب والسياسة. وقد أجبرته الحرب الأهلية اللبنانيّة على ترك بيروت مطلع الثمانينات من القرن الماضي ليقضي السنوات ألأخيرة من حياته في المنفى، وفي ربيع عام 1998 رحل عن الدنيا في لندن حيث كان يقيم


القضايا الكبرى


غير أن انشغال نزار قباني بالمرأة والحب، لم يلهه عن القضايا الاجتماعية والسياسية التي يواجهها العالم العربي. فكان يرى أن الشاعر هو صوت شعبه، وسوْطه أيضا. فإذا ما انتقده وعرّاه فليس ذلك بهدف الكشف عن عورته ومساوئه، وإنما لكي يحثّه على النهوض والسير إلى الأمام “بدلا من الخنوع والإستكانة والاستسلام لمرض فقدان المناعة”. ومحددا رسالة الشعر يقول نزار قباني:

الشعر ليس حمامات نطيّرها

نحو السماء ولا نايا ولا ريحا

لكنه غضب طالت أظافره

ما أجبن الشعر إن لم يركب الغضب.

وكانت قصيدة “خبز وحشيش وقمر” أنجح قصائد نزار قباني على جميع المستويات. وهي تحتوي على وصف دقيق لحالة العرب المستسلمين للخمول وفيها كتب يقول:

أيّ ضعف وانحلال ْ

يتولاّنا إذا الضّوء تدفّقْ

فالسجاجيد.. وآلآف السلال

وقداح الشاي.. والأطفال تحتلّ التلال

في بلادي حيث يبكي الساذجون

ويعيشون على الضوء الذي لا يبصرون

في بلادي

حيث يعيش الناس من دون عيون

وإثر الهزيمة المروعة التي مني بها العرب في صيف عام 1967، نشر نزار قباني قصيدة بعنوان: “هوامش على دفتر النكسة”. وقد شكّلت هذه القصيدة مفصلا جديدا في مسيرته الشعريّة وفيها كتب يقول:

أنعي لكم يا أصدقائي اللغة القديمة

والكتب القديمة

أنعي لكم

كلامنا المثقوب كالأحذية القديمة

ومفردات العهْر والهجاء والشتيمة

أنعي لكم.. أنعي لكم

نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة.

بفضل كتابه الأول "قالت لي السمراء"، أصبح نزار قباني شاعر الحب والمرأة بامتياز. وكان يقول إن الذي يحب امرأة {يحب وطنا، والذي يحبّ وجها جميلا يحب العالم"، أما البلاد العربية حسب رأيه فلا ترى الحب "إلا من ثقب الإبرة، ولا تراه إلا من خلال جغرافية جسد المرأة"


نثارات الزجاج


ومحددا مفهومه للوطنية كتب نزار قباني رادّا على الذين شكّكوا في صدق وطنيته: ”إن مفهومي للوطن والوطنية مفهوم تركيبي وبانورامي. وصورة الوطن عندي تتألف كالبناء السمفوني من ملايين الأشياء ابتداء من حبّة العطر إلى ورقة الشجر، إلى رغيف الخبز، إلى مزراب الماء، إلى مكاتيب الحب، إلى رائحة الكتب، إلى طيّارات الورق، إلى حوار الصراصير الليلية، إلى المشط المسافر في شعر حبيبتي، إلى سجادة صلاة أمي، إلى الزمن المحفور في الجبين… من هذه الشرفة الواسعة أرى الوطن وأحتضنه”. وقد بيّن نزار قباني أن تحوله من شعر الحب إلى شعر السياسة كان نتيجة لـ”هزّة داخليّة كسّرت كلّ ألواح الزجاج في نفسه دفعة واحدة”. ومن نثارات الزجاج التي خلفتها في نفسه هزيمة 67 على أرض حواسه، صرخ بصوت آخر، صوت الوطن الجريح. ويضيف نزار قباني قائلا إن شعره السياسي “علّقه على أكثر من صليب، وأكثر من حبل مشنقة”. فقد تحالفت ضده الأنظمة الرجعية لتمنع قصائده السياسية من الرواج، وتصادر كتبه، وتلاحقه في كلّ مكان يحلّ به. غير أنه ظل مؤمنا بأن الشاعر الحقيقي هو ذلك الذي “يذبح بسيف كلماته” كما فعل سقراط والحلاج. وهو الذي يختار أن يسير دائما وأبدا على “حدّ الخنجر”.

وفي المرحلة الأخيرة من حياته ظلّ نزار قباني مشدودا إلى الموضوعين الأساسيّين في مسيرته الشعرية، أعني بذلك الحب والسياسة. وقد أجبرته الحرب الأهلية اللبنانيّة على ترك بيروت مطلع الثمانينات من القرن الماضي ليقضي السنوات الأخيرة من حياته في المنفى. وفي ربيع عام 1998 رحل عن الدنيا في لندن حيث كان يقيم. وقد تمّ دفنه في دمشق. وفي رثائه كتب ممدوح عدوان يقول: “لقد خلّص نزار قباني القصيدة من بداوتها وريفيّتها مثلما فعل أبو نواس في عصره. فكان لابدّ لهما من تخليص الحب من أوهامه، ومن رومانسيتة العذريّة. ولذلك لم يحاول أيّ منهما أن يكتب عن المرأة الراسخة في ذاكرة الشعر والشعراء الآخرين، وبالطريقة التي اعتادوا عليها في مخاطبة المرأة، أو الحديث عنها مثلما يمكن أن يكتب شاعر عن امرأة يتخيّلها، ثم تقرأ فلا تعرف ما إذا كان يستعيد شعر غيره، أم يصف حبيبته فعلا”.


لو كان نزار حيا


ترى أية قصائد كان نزار قباني يكتب لو أنه لا يزال على قيد الحياة. وبأي كلمات سيرسم صورة لوطنه الجريح، وللمجازر الرهيبة التي ترتكب فيه يوميا، وللنساء وهن يواجهن من جديد التسلط والقهر في أبشع مظاهره، وأشنعها وأعنفها، وبأي لغة سيعبّر عن هذا الخوف الأسود المنتشر على الوجوه مشرقا ومغربا. وأي موقف سيتخذه من هذا الظلام الزاحف من جديد مهددا بطمس كل الأحلام والأماني، ومحييا ماضيا كنا نعتقد أنه ولّى وانتهى إلى الأبد.

15