نزار كربوط: لا يمكن نجاح ثورة تقصي الفكر والمفكرين

الأربعاء 2014/08/13
كربوط: القصائد هي التي تصنع صاحبها وليس العكس

الرباط - سؤال الشعر بالنسبة إلى نزار كربوط، كالسؤال عن الحياة والموت، هو علاقة مع الغيب صعب أن تتحدد معالمها لأنها تتجاوز الحسي والملموس لارتباطها بما هو غيبي، ويستفز العواطف والعقل البشري، نزار كربوط طبيب أسنان وشاعر، حائز على جائزة جامعة محمد الخامس السويسي للشعر عام 2003، صدر له مؤخرا ديوان “سقف من فراشات” عن دار “مرسم للنشر” عام 2013. “العرب” التقت كربوط في حديث عن الشعر والكتابة والتغيرات في المنطقة.

يكتب الشاعر المغربي نزار كربوط قصيدة النثر، ومن يقرأ مجموعاته الشعرية يجد نفسه أمام قصائد معظمها تتناول مشاهد بسيطة من الحياة اليومية للإنسان، إذ لا يمكن للشاعر أن يعتمد دائما على مخيلته، في المقابل نجد أن الشاعر بمثابة قنَّاص محترف يقتنص أشياء وصورا تحيط به، ويدركها بحواسه الخمس ثم يحول الصورة إلى عبارة شعرية.


الرؤية الكونية


هذا ما يمكن تسميته حسب كربوط “شعرنة المشهديات”، ويضيف: "حياتنا اليومية مليئة بالمشاهد المثيرة، البعض يمر عليها مرور الكرام، والبعض الآخر يغوص في تقاسيمها وينقب عن الشعري فيها، ليحولها إلى لوحات مرسومة بالكلمات، في نظري هذا ما ينبغي أن يكون عليه دور الشاعر المعاصر، لقد انتهى زمن الكتابة في الخيمة، هذا زمن الكتابة في الشارع العمومي والمقهى ومحطة القطار والحانة وفي المراحيض أيضا".

وعن علاقة الشاعر بالكون وبما يحيط به يرى نزار كربوط أن لكل شاعر رؤيته الخاصة لما يصل إليه إدراكه للأشياء، ومن هذه الرؤية يحاول أن يفكك ويحلل العالم الذي يحيط به انطلاقا من نفسه كفرد.

حب الفن والثقافة والرغبة في القراءة وحب المعرفة يكون بعيدا عن الشاشات التي أصبحت تلوث الأشياء

ويضيف: "كتابة الشعر ليست بالأمر الهين والشاعر بدوره لم يعد مطالبا بالمدح والهجاء والرثاء، بل الشاعر المعاصر أصبح ضمن تشكيلة ثقافية تتطور باستمرار، تمتزج فيها كل المقومات الثقافية من فنون تطبيقية ومسرحية وسينمائية وغيرها، لا يمكنه أن يكون خارج الصف، إذ أصبح يشارك بدوره في تأسيس رؤية كونية".

أما عن تجربته الشعرية فهو يعتبر أنها لا تختلف تماما عما تصب فيه الحساسية الشعرية الجديدة في بلاده، ومن يقرأ نصوصه سيجد نفسه أمام قصائد قصيرة تعتمد على التكثيف اللغوي وعنصر المفاجأة من اختياره للعنوان حتى الكلمة الأخيرة في النص، أما المضمون، فنراه يختلف من نص إلى آخر، ومن حالة إلى أخرى، لكن أغلب نصوصه تركز على مركزية الأنا والتقاط التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية.

يرى صاحب “رماد عاشق” أن المؤنث عالم كبير وغريب، وكل ما يخص الأنثى يثير فضوله ويجعله في حالة لا يفهمها إلا المتصوفة، فصيغة التأنيث ترتبط دائما بما هو رقيق وشفاف، ويعلق "كيف لي أن لا أحس بالجماليات التي يعبر عنها وجود المرأة في هذا العالم الذي أصبح مفعما بالألغام والبرود".

يقول كربوط: "ستجد العديد من نصوصي تشير بطريقة مباشرة أو غير مباشرة إلى تلك الأنثى في تفاصيلها الدقيقة من نظرات وكلمات وتجسد الجمال والمحبة، في بعض الأوقات أجد نفسي متوغلا في نص يشير إلى المؤنث، دون أن أرغب في ذلك فهي دائما حاضرة في الذاكرة لأنه في نهاية المطاف كلنا أطفال، ونحتاج إلى ثدي نرضع منه الكلمات".

انتهى زمن الكتابة في الخيمة وجاء زمن الكتابة في الشارع


سلاح ذو حدين


في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي أصبح الجميع قادرا على إيصال صوته وبعض من شذراته الشعرية، يعقب كربوط قائلا: "إن هذا سلاح ذو حدين، كثرة المعلومات جيدة، لكن أهمها أصبح قليلا جدا، وهذا ينطبق حتى على الشعر. الشيء الذي يجب أن يفهمه أي شاعر ينشر أشعاره في كل مكان وعلى كل صفحة، هو أنه ليس مهما أن يكون شاعرا أو كاتبا، لكن الأهم هو أن يكتب القصيدة بعمق، والقصيدة بدورها ستدافع عن صاحبها بقيمتها ومكانتها عند القارئ لأنه في نظري القصائد هي التي تصنع صاحبها وليس العكس".


ثورات دون مثقفين


على حد تعبير كربوط الثورات العربية جاءت في وقت كانت تعاني فيه هذه الشعوب من القهر والظلم وانعدام الفكر الحداثي، الذي يعتمد على حب المعرفة والقراءة، إضافة إلى أن نسبة كبيرة من مجتمعاتنا العربية أصبحت تنام وتستيقظ على التلفزيون والبرامج الإعلامية الرخيصة. ويطرح الشاعر نقطة استفهام كبيرة، حول إن كانت الشعوب العربية مؤهلة وواعية بمفهوم الثورة الشعبية، وما إن كانت للمثقف العربي نظرة استباقية لما يحصل من متغيرات في الشارع العربي؟

يظن الشاعر أن الأحداث كانت متسارعة جدا، وتركت معظم الكتاب والمثقفين في حيرة من أمرهم أمام الالتباسات وكثرة المفاهيم الجديدة. الربيع العربي قد يؤسس لبنيات سياسية جديدة من أحزاب وتحالفات، أما شعريا فهذا شيء آخر، لا يمكن ربطه مباشرة مع ما يقع في الشارع العربي. الثورات قد تؤثر على نصوص معينة أو شعراء معدودين على رؤوس الأصابع أما الشعرية فهي أمر يصعب التدقيق فيه، وبالتالي فإن الشعرية الجديدة لا يمكن أن تحقق أي وجود ملموس دون كتابات جديدة ومتميزة.

كتابة الشعر ليست بالأمر الهين والشاعر بدوره لم يعد مطالبا بالمدح والهجاء والرثاء، بل بالتأسيس لرؤية كونية

الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة العربية تتجه نحو الانهيار، لكن التساؤل يكمن في قدرة هذه الانهيارات على فتح الباب أمام تجارب شعرية خارجة عن قيود المؤسسات والرقابة والنفي. ويشير كربوط إلى أن الشعر في عالمنا العربي تخلص من قيوده الذاتية الموضوعة منذ زمن بعيد سواء كانت على صعيد القافية أو العروض، وهذا أكبر دليل على أنه يرمز إلى الحرية والانفتاح.

ويضيف كربوط قائلا: "لا أظن أن للمؤسسات دورا في الرقابة على الشعر والكلمة الحرة، في المقابل يمكن أن تضايق الشعراء في مواقف محدودة في الزمان والمكان، على سبيل المثال في سوريا نجد الشاعر محمد الماغوط الذي تعرض إلى الاعتقالات والتعذيب، لكن هذا لم يمنعه من كتابة أشعار ثورية حرة".

ويتابع قوله: "الثورات العربية لا تزال في بداياتها، وصراحة لا يمكن التوقع بما سيسفر عنه هذا الحراك الملتهب لأن الأمر رهين بما هو اجتماعي بالأساس، ولكل مجتمع حريته وقيوده والشيء الأساسي الذي يجب على الشارع العربي أن يفهمه هو أنه لا يمكن نجاح أي ثورة شعبية مع ثقافة الإقصاء وخصوصا إقصاء الفكر والمفكرين والثقافة والمثقفين، لأن فكرة الحرية هي شمولية".

يرى الشاعر أن تغيير الأنظمة ليس كافيا لتحرر الفكر والأدب، بل ينبغي تغيير العقول وتربية الحس الثقافي في قلوب الأجيال القادمة، تربيتهم على حب الفن والثقافة والمسرح والآداب وترغيبهم في القراءة وحب المعرفة بعيدا عن الشاشات التي أصبحت تلوث الأشياء الجميلة في الحياة.

15