نزاع عميق الجذور: الصراع الأميركي الصيني ليس وليد حمائية ترامب

نزاع يعود إلى انعكاس تبادل المزايا بين الدول في حركة التبادل التجاري، والدور المركزي الذي باتت تلعبه دول نامية، وتداعياته على مسرح القوة الدولي.
الأربعاء 2019/08/21
مواجهة علنية للصين

واشنطن – المتتبع لسيرورة الحرب التجارية بين واشنطن وبكين يتبادر إلى ذهنه منذ الوهلة الأولى أن السبب المباشر يكمن في السياسة التجارية التي تنهجها إدارة ترامب حاليا بسبب ما يرافقها من تصريحات عن عقوبات مزعزعة للاستقرار، ما يجعل منها قطيعة جذرية تشذ عن القواعد والمعايير التي تم اعتمادها ووضعها من ذي قبل في صلب النظام التجاري الدولي، والذي أشرفت على هندسته وزعامته الولايات المتحدة.

وإذا ذهب غالب الخبراء إلى أن تحليل سياسة إدارة ترامب ضروري لفهم الوضعية الحالية التي تمر بها العلاقات التجارية الدولية وتطوراتها الممكنة، فهذا يبقى مجرد منطلق لأن أسباب التوترات الحالية أعمق بكثير، فالتجارة الدولية تغيّرت بعمق كبير خلال ربع القرن الأخير بعد أن تعرضت قاعدتها المؤسساتية إلى ثلاث مشاكل بنيوية تتجلى في: سوء انعكاس المزايا في حركة التبادل الاقتصادي، ووقوع تغير في وزن القوى الاقتصادية الصاعدة في النظام التجاري العالمي بشكل ضاعف من قدراتها على المنافسة في السوق العالمية، ضف إلى ذلك حيلولة تعدد القطبية السماح لقوة مهيمنة أن تلعب دور القائد لوحدها.

 حمائية ترامب

الصراع الأميركي الصيني

يمكن رصد الأهداف العامة للسياسة الحمائية التي يفرضها ترامب وتلخيصها في شعار ” أميركا أولا” كنهج جديد، وهو يعادل في الواقع رفضا مدويا للعلاقات المتعددة الأطراف، بحيث تم عطفه بالدرجة الأولى على الأمن القومي والسيادة الوطنية، ثم مواجهة الصين العلنية.

وتبقى ملامح استراتيجية إدارة ترامب التجارية يستبد بها في المقام الأول قلقه من العجز التجاري مع الصين (يصل مقدار العجز التجاري لمصلحة الصين نحو 375 مليار دولار)، والخوف من هيمنة الصين على تقنية الجيل الخامس، وتفوقها في مجال أبحاث الحواسيب الكمية، فيما نسبة الادخار لدى الصينيين أكبر منها لدى الأميركيين.

وتستند العلاقات التجارية الدولية في وضعها الحالي على اتفاقيات مراكش الموقعة في أبريل 1994، لكن واقع التجارة الدولية تغير كثيرا ما بين 1993-2008، حيث تضاعفت نسبة الانفتاح في التجارة الدولية، وارتفع مخزون الاستثمارات المباشرة في الخارج إلى ثلاث مرات بالقياس إلى الدخل العالمي، ما يجعلنا أمام مرحلة جديدة في مسار العولمة يصفها ريشارد بلادوين هذه المرحلة بالانشطار الثاني، بحيث إذا كان التقدم التقني في القرن التاسع عشر قد فصل بين مراكز الاستهلاك ومراكز الإنتاج، فإن انخفاض تكلفة نقل الأفكار في نهاية القرن العشرين جعل ممكنا الفصل بين العمل والمعرفة، وبالتالي إن موقعا للإنتاج في إحدى البلدان النامية، يمكن أن يستفيد من تكنولوجيا وتدبير إداري متقدم لدولة غنية.

وفي ضوء المعطيات السالفة الذكر، أعاد هذا التحول الهائل توزيع القوة الاقتصادية عالميا، ووجدت بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية حصتها قد انخفضت من 80 بالمئة إلى 55 بالمئة في عام 2017، وهو ما يعني تراجعا كبيرا على المستوى التاريخي. إذ أصبحت الصين أول مصدر عالمي للمنتجات منذ 2009، كما شكّلت الأزمة المالية التي أصابت العالم في 2007-2009 قطيعة لم تستطع التجارة الدولية معها لحد الآن استعادة نسبة نموها ما قبل الأزمة.

مشاكل تزعزع النظام التجاري

الصراع الأميركي الصيني

توجد عدة عناصر بنيوية تزعزع أوضاع التجارة العالمية بشكل عميق ولصيق ترجع لأسباب ثلاثة يمكن تفصيلها وشرحها كالآتي:

– سوء انعكاس تبادل المزايا: إن التبادل ركن جوهري في النظام التجاري متعدد الأطراف، وتخضع ترجمته إلى التزامات تجارية تعود بالأساس لقدرات الشركاء التنافسية. غير أن الاتفاقيات الحالية تم توقيع أغلبها في حقبة كانت الدول الغنية لها تفوق واضح في أغلب القطاعات الصناعية، حيث تركزت جهود البلدان النامية آنذاك في الزراعة ونسيج الألبسة، مما جعل سقف الحماية منخفضا في البلدان الغنية ما دامت البلدان النامية لم تكن آنذاك في مستوى يسمح لها بالاستفادة من ذلك. لكن الانقلاب الذي صاحب المرحلة الجديدة في العولمة غيّر من هذا التوازن كليا. إذ حققت البلدان النامية أشواطا كبيرة، ولم تعد تتجلى الميزة النسبية للدول الغنية اليوم إلا في قطاع الخدمات وبراءات الاختراع وتكنولوجيا الشركات المتعددة الجنسيات التي يمكن أن تجني قيمة مضافة عنها.

الملتحقون بطاولة المفاوضات: هنا، يتعلق الأمر بتلك الدول الصاعدة التي كانت في دورة أوروغواي مجرد دول سائرة في طريق النمو، لكن صعود بعضها إلى مصاف القوى التجارية الكبرى يطرح اليوم سؤالين: هل يجب أن تستمر في الاستفادة من وضعيتها الخاصة تلك والمميزة؟ وكيف يمكن تدبير وصولها المتأخر إلى طاولة المفاوضات؟

تجدر الإشارة بأن في منظمة التجارة العالمية يمكن لأي دولة أن تحدد بنفسها ما إذا كانت تقبل تصنيفها في دائرة الدول السائرة في طريق النمو، ونوع المعالجة التفضيلية التي سيصاحب تصنيفها تبعا لذلك أم لا. لكن هذا المنطق لا يمكن أن يتم تطبيقه على الصين التي أصبحت أول مُصدر عالمي.

التعددية القطبية: تبقى الولايات المتحدة أول قوة عالمية في كثير من المجالات، لكن حجم قوتها بات أقل ثقلا عما كان عليه الوضع عند سقوط جدار برلين. وهو ما يدفعها إلى رفض تحمل أعباء قائد النظام العالمي، وما يصحب ذلك من تكاليف وأعباء في كيفية تنفيذ القواعد والسهر على احترامها.

لقد أصبح مشكل التنسيق بين الدول أكثر حدة لأن الاتفاقيات المتعددة الأطراف ليست اتفاقيات كاملة، فهناك الكثير من المجالات التي لم يتم تغطيتها إلا بشكل جزئي، ولا تحيط بها إكراهات قانونية كبيرة. لذلك، لا تستطيع قواعد النظام الاقتصادي الحالي تحفيز الدول بأن تلتزم بها وتحل مشاكل الحرب التجارية القائمة بين الولايات المتحدة والصين. ومن ثم، ظهور نهج آخر تجلى في تفضيل واشنطن عقد اتفاقيات ثنائية بدل خيار اتفاقيات متعددة الأطراف للدفاع عن مصالحها.

الصراع الأميركي الصيني

مستقبل التجارة العالمية: في ظل هذه المعطيات، بات منطق القطبية المتعددة مثار هجوم حاد من قبل إدارة ترامب الحالية، ما دام الهدف من هذا الهجوم هو دفع الصين للتراجع عن الحفاظ على الوضع الراهن وجعل تكلفة أمر الحفاظ عليه مستحيلا. وهذا بغاية الدفع نحو وضع قواعد اتفاقية مشتركة جديدة.

فهل إن التلويح بحرب اقتصادية باردة هو مقدمة لمرحلة انتقالية تأخذ على عاتقها البحث عن اتفاقيات جديدة؟ بالمجمل، هذه الاستراتيجية غير محمودة العواقب، ولا يمكن الرهان عليها. بمعنى أنه إذا لم تدق ساعة انفراج كبرى بين القوتين الاقتصاديتين، فهذا يعني أننا مقبلون على حذف نسبي للمعايير وأمام سياق تخضع فيه المبادلات التجارية في المستقبل لطبيعة العلاقات السياسية القائمة. ومن ناحية أخرى، سيحتل التنافس الاستراتيجي المحتدم بين واشنطن وبكين مكانة مركزية في السياسة الدولية. غير أنه يمكن تدبير الخلاف الأميركي – الصين نظرا للتداخل والتشابك القوي بين الاقتصادين، فواشنطن هي أكبر شريك تجاري لبكين، وبكين هي ثالث أكبر شريك تجاري لواشنطن.

ويتمثل السيناريو الأول في استمرارية تخضع لتوترات سياسية قوية بين واشنطن وبكين، لكن يتم التحكم فيها، بحيث تبقى منظمة التجارة العالمية الإطار المنظم، إذا استثنينا وقوع حالات انعطاف سياسية حادة قد تؤثر على مجرى تطبيق الاتفاقيات الدولية باتخاذ إجراءات حمائية استثنائية، وهو ما يعني عمليا العودة عموما إلى الاتفاقية العامة حول التعريفات الجمركية والتجارة المعروفة بالغات (GATT).

أم السيناريو الثاني فيقوم على تصاعد موجة العقوبات التجارية، مما يجعل منها حربا اقتصادية باردة تتخذ أشكالا متنوعة يصعب حصر أشكالها جميعا، لكن ستكون تكلفتها بالمجمل باهظة ومزعزعة للعلاقات الدولية، وهو ما يعني بأن تطبق الولايات المتحدة سياسة الفصل التجاري، وتدفع شركاتها والمزودين والموردين للتقليل من العلاقات مع الصين إلى أقصى حد، بحيث ينجم عنه انشطار واضح في التجارة الدولية، واختلاف جزئي في المعايير الدولية.

وللمفارقة بأن وضع الصين تحت ضغط حمائي أميركي كبير من شأنه أن يدفع إلى سيناريو ثالث يحتم ضرورة البحث عن اتفاق سياسي جديد بين القوى العظمى، بخاصة تلك المتعلقة بالدعم المالي، وحقوق الملكية الفكرية، وسحب رفع التعريفة الجمركية، وتعديل في بعض القوانين التجارية الصينية لصالح القطاع الخاص، ثم إعادة رسم وضع البلدان النامية بخاصة تلك المؤثرة في مجال التكنولوجيا المعلوماتية (الهند… إلخ)، وبإصلاح بعض معايير منظمة التجارة العالمية. ومن ثم فإن إعداد اتفاقية متعددة الأطراف من جديد في هذا الباب ليس من السهل الوصول إليه لكنه ليس ضروريا، بحيث يكفي الجمع بين مبادرات متعددة الأطراف، وتعديلات على هامش الاتفاقيات الموجودة لتفادي إلحاق أضرار جسيمة بالاقتصاد العالمي.

7