نزاهة الانتخابات: فيسبوك مزور ومراقب

سيكون لعملاق وسائل التواصل الاجتماعي فيسبوك دور محوري في الانتخابات العامة في بريطانيا المقررة الشهر القادم، إذ يستخدمه نصف السكان، وفق ما قاله قادة عدد من أهم الحملات السياسية حول العالم خاصة أن الموقع كان عاملا حاسما في التصويت لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وفي فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية.
السبت 2017/05/20
عين على المدينة

لندن - تغيّر الواقع وتغيّر معه مكان الحملات الانتخابية، إذ لم يعد الشارع هو المكان الذي يسعى فيه السياسيون إلى حشد الأنصار وإقناع الناخبين بل أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي أبرز أماكنهم.

لقد برز هذا التوجه خاصة مع حملة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وكان أحد أسباب وصوله إلى البيت الأبيض عام 2008. ومنذ ذلك التاريخ تدعم حضوره مواقع التواصل الاجتماعي في الحملات الانتخابية، حتى بات النجاح في الانتخابات حليف المتحكم فيها.

وعلى الرغم من أهمية وسائل الإعلام المرئية والمسموعة في تغطية العملية الانتخابية وتحليل مخرجاتها، إلا أن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي أضحى الأكثر والأبرز في تشكيل الرأي العام، حيث أصبح معظم المرشحين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر بكثافة كي يتابعهم مؤيدوهم أو متابعوهم.

وبات موقع فيسبوك الذي يمتلك ما يقرب من ملياري مستخدم في جميع أنحاء العالم، يجمع عنهم كل البيانات على أساس كل محادثة وكل منشور وكل صورة، ثم يستخدم هذه المعلومات لضمان حصول المعلنين والأحزاب السياسية على وجه التحديد على رسائل الأشخاص الذين يريدون.

وقد مثّل موقع فيسبوك أحد العوامل الحاسمة في التصويت لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ووصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، حسب العديد من الخبراء.

وأصر الرئيس التنفيذي لفيسبوك مارك زوكيربرغ على نفي الاتهامات، مؤكدا أن شركته هي شركة تكنولوجيا وليست شركة إعلامية.

ودافع بشدة عن الشبكة ضد هذه الانتقادات ووصف فكرة تأثير فيسبوك على الانتخابات بـ”الجنون”، قبل أن يذعن مؤكدا أن الشركة ستبذل المزيد من الجهود للحيلولة دون نشر أخبار كاذبة.

موقع فيسبوك مثل أحد العوامل الحاسمة في التصويت لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ووصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، حسب العديد من الخبراء

وقال جاري كوبي مدير الإعلان عن الحزب الجمهوري “نحن نأخذ الاسم والعنوان ورقم الهاتف والبريد الإلكتروني ويمكننا أن نأخذ تلك البيانات ونرسلها إلى فيسبوك، ثم يقوم الموقع بمطابقة هذه المعلومات مع الملف الشخصي للمستخدم، فإذا وجد امتلاكه لحساب على الموقع، يضع اسمه في قائمة المستخدمين المستهدفين”.

وكانت تقارير أظهرت أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تشكّل المصدر الثاني للأخبار لدى الأميركيين، إذ تابع 9 أشخاص من كل 10 الحملات الانتخابية لكلا المرشحين؛ الديمقراطية هيلاري كلينتون، والجمهوري ترامب، عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتتجه الحملات الانتخابية إلى تخصيص جزء أكبر من ميزانيتها للإعلانات الرقمية، لأن ذلك يدعم جهود التواصل مع الناخبين ويربحها الكثير من الوقت الذي يمكن أن تستثمره في أعمال أخرى أو يمكّنها من الوصول إلى أعداد أكبر من الناخبين خاصة أن الانتخابات أضحت تُحسم عبر نسبة صغيرة من الناخبين المترددين.

وبات إتقان إستراتيجيات استغلال وسائل الإعلام الاجتماعية أمرا ضروريّا للحملات السياسية؛ بغية التأثير في هؤلاء الناخبين.

وكان فيلم بانوراما الوثائقي الذي بث على “بي بي سي1” أكد إنفاق قادة حملات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب ترامب عشرات الملايين من الجنيهات لصالح فيسبوك.

ونمى الإنفاق على الإعلانات الرقمية، رغم انخفاضه بالمقارنة مع وسائل الدعاية التقليدية، بحوالي 13.5 بالمئة في 2016، حسبما أوردت صحيفة نيويورك تايمز.

واستحوذت شركتا فيسبوك وغوغل معا على قرابة 20 بالمئة من ميزانية الإنفاق على الإعلانات الرقمية في جميع أنحاء العالم خلال العام 2016. وقد نما هذا الرقم بمقدار تسع نقاط مئوية خلال السنوات الخمس الماضية، وفقا لتقرير وكالة “زينيث” الإعلانية.

ويتوقع التقرير أن تتجاوز عائدات الإعلانات عبر الإنترنت هذا العام مثيلتها التلفزيونية، وأن تحصل شركات -مثل غوغل وفيسبوك- على إيرادات إعلانية أكبر مع استمرار استثمارها بشكل كبير في سوق الإعلانات الرقمية.

وخشية من تكرار السيناريو البريطاني والأميركي، لجأت إدارة موقع فيسبوك إلى حجب قرابة 33 ألف حساب لفرنسيين عبر مواقع التواصل يعتقد أنها مزورة قبيل الانتخابات الرئاسية التي أفرزت فوز المرشح المستقل إيمانويل ماكرون برئاسة فرنسا.

ورغم ذلك أظهر فيسبوك أيضا في هذه الانتخابات قدرة كبيرة على تشكيل الرأي العام، وتغيير موازين العملية السياسية في البلاد، فقد برز ماكرون في هذا الموقع وعرف كيفية إدارة حملته من خلاله، حتّى أنه حول الموقع إلى ركن أساسي في حملته الانتخابية يلجأ إليه من أجل مخاطبة الناخبين ونقل فعاليات حملته الانتخابية مباشرة عبره والرد على استفساراتهم.

فيسبوك قاد حملات سياسية موجهة لقاء ملايين الدولارات

وفي إيران التي شهدت الجمعة انتخابات رئاسية، كان دور الشبكات الاجتماعية حاسما رغم أن أغلبيتها محظور في البلاد، إذ اكتشف المحافظون في الآونة الأخيرة مدى قوتها، بعد أن كانت شبكات التواصل الاجتماعي تستخدم بشكل أساسي من قبل الإصلاحيين.

وتفيد إحصائيات رسمية أن أكثر من نصف عدد سكان إيران البالغ عددهم 80 مليونا يستخدمون الإنترنت.

ومع اقتراب موعد توجه الناخبين البريطانيين لصناديق الاقتراع لاختيار أعضاء البرلمان والحكومة المقبلة، الشهر المقبل، كثّفت مختلف الأحزاب الدعاية الانتخابية في محاولة للوصول إلى أكبر عدد من الناخبين، نظرا لكون نصف السكان يستخدمون هذا الموقع.

واشتد النقاش، في الفترة الأخيرة، على موقع التواصل الاجتماعي عن أهم الموضوعات والملفات التي تهم الناخبين البريطانيين، فضلا عن حديث الناخبين عن توقعاتهم من الحكومة المقبلة، بعد البريكست.

وأعلن موقع فيسبوك عن تدابير جديدة لمعالجة الأخبار المزيفة في المملكة المتحدة، إذ ستستعين الشبكة الاجتماعية بخوارزميات للقضاء على المواد المضللة التي يهدف منها إلى زيادة معدل الزيارات ومن ثم الإعلانات التي يطلق عليها اسم “كليك يبت”.

وقال الموقع “لقد اكتشفنا أن قراءة المستخدمين لقصة ما وعدم ميلهم لمشاركتها مع أصدقائهم، قد يكونان علامة على أن القصة قد ضللت الناس بطريقة ما، ففي ديسمبر، بدأنا اختبار دمج هذا المقياس لتحديد جودة القصص، ونحن الآن بصدد توسيع الاختبار إلى المملكة المتحدة”.

ووفقا لصحيفة الأندبندنت البريطانية ففي حالة “كليك بيت”، اكتشف موقع فيسبوك أن المستخدمين الذين يضغطون على روابط القصص التي تحمل عبارات مثل “لن تتوقع ما حدث بعد ذلك”، لم تعجبهم هذه المقالات ولم يمضوا الكثير من الوقت في تصفحها.

وأوضح فيسبوك أيضا أنه يستخدم أنظمته لتعقب الحسابات الوهمية، التي يعتقد أنها تنشر معظم القصص الكاذبة، كجزء من جهد منسق واسع النطاق. وقد أضاف فيسبوك مؤخرا خانة لتوجيه المستخدمين إلى صفحة مليئة بالنصائح لاكتشاف الأخبار المزيفة.

وقال سيمون ميلنر مدير سياسات فيسبوك في المملكة المتحدة “الناس يريدون رؤية معلومات دقيقة على فيسبوك، وكذلك نحن، ولهذا السبب نفعل كل ما في وسعنا لمعالجة مشكلة الأخبار الكاذبة”.

خشية من تكرار السيناريو البريطاني والأميركي، لجأت إدارة موقع فيسبوك إلى حجب قرابة 33 ألف حساب لفرنسيين عبر مواقع التواصل يعتقد أنها مزورة قبيل الانتخابات الرئاسية التي أفرزت فوز المرشح المستقل إيمانويل ماكرون برئاسة فرنسا

وبالرغم من الجهود المبذولة من عملاق التواصل الاجتماعي، لا يزال صانعو السياسات والصحافيون وغيرهم في أوروبا متشككين بشأن قدرة فيسبوك الأخرى على مكافحة الأخبار الكاذبة.

وأورد تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية نشر هذا الأسبوع دعوة بعض السياسيين في أوروبا لفرض غرامات كبيرة على شبكات التواصل الاجتماعي، إذا ما فشلت في مواجهة المعلومات المزيفة، والخطابات التي تحض على الكراهية.

ورفض العديد من الناشرين الأوروبيين المشاركة في جهود التحقق من المعلومات التي قامت بها فيسبوك، قائلين إن التحقيق مسؤولية الشركة وحدها، وهي من تحدد ما هو كاذب أو مضلل.

فيما نقل تقرير الصحيفة عن كلير واردل مديرة الأبحاث في “مشروع المسودة الأولى”، وهي منظمة غير ربحية تعاونت مع شركات التكنولوجيا وغرف الأخبار لتحليل تقارير وهمية عن الانتخابات في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، “هناك الكثير مما يمكن أن يفعله موقع فيسبوك وغبره من المواقع، إنهم يعرفون أنشطة المستخدمين عبر الإنترنت أكثر من أي مكان آخر. إنهم يعرفون ما يجري داخل شبكتهم”.

18