نزعة المالكي الدموية

الثلاثاء 2014/04/01

ما من حاكم عراقي مزّق العراق طائفيا مثل السيد نوري المالكي الذي أذكى كل الفتن النائمة وأيقظها من سُباتها العميق خلال دورتيه المشؤومتين التي شهد العراق خلالهما حربا أهلية طائفية وانهيارات أمنية خطيرة تتمثل في سيطرة “داعش” و”القاعدة” وبعض الفصائل المسلحة على مدن عراقية كاملة مثل الأنبار والفلوجة وسليمان بيك وبهرز، إضافة إلى المدن والقصبات الواقعـة على الحـزام الأمني لمدينة بغداد، وهـذا مـؤشر خطيـر من الناحيـة العسكرية قد يفضي إلى عزل العاصمة بغداد عن سائر المحافظات العراقيـة الأخرى إن أحكمت هذه المجاميع المسلحة قبضتها وضيّقت الخناق على عنـق العاصمة المتململـة التي لا يجد سكّانها حرجا في التعبير عن مشاعر غضبهم وسخطهـم مـن نزعـة المـالكي الدمويـة، ونهجه الطائفي الذي لا يقتصـر عليـه فحسب، وإنمـا يمتدّ إلى العديد من أعضاء حزب الدعوة الإسلامية حيث دعت نائبة في ما يسمّى بـ”دولة القانون” إلى قتل العراقيـين على الهُوية لتحقيق “التوازن” في العراق!

يحتاج السيد المالكي وبعض نوابه عن “دولة القانون” إلى أطباء نفسانيين يرافقونهم ليل نهار كي يطلعوا على تصريحاتهم الخطيرة التي تضرّ بمصلحة العراقيين جميعا وعلى رأسهم المكوِّن الشيعي الذي لا يمثله المالكي بالتأكيد، كما لا تمثله الكتل الشيعية الأخرى لأنها لا تستطيع أن تخرج عن فلك المصالح الذاتية الضيقة أو الحزبية المقيتة في أفضل الأحوال، فغالبية المدن في وسط وجنوب العراق يشهد بعضها خروقات أمنية، بينما يعيش بعضها الآخر انهيارات أمنية متتالية كما هو الحال في محافظة بابل وبقية أقضيتها ونواحيها وقراها المتناثرة التي تتعرض إلى قصف مستمر بالقنابل التي تبث الرعب والهلع في نفوس المواطنين، هذا ناهيك عن العشرات من عمليات التفجير التي تحصد غالبا أرواح المئات من المواطنين الأبرياء الذي يدّعي المالكي أنه يمثلهم، فيما تطالب نائبته العتيدة بقتل ذات العدد الذي يسقط في أية مدينة شيعية من شقيقاتها السُنيات كي تحقق توازنها المُرتقب الذي يتلاءم مع ذهنيتها الطائفية المتطرفة، التي تحتاج هي الأخرى إلى عيادة طبيب نفساني متميز كي يتدارك وضعها النفسي الذي يتفاقم يوما بعد يوم.

لقد كشفت حادثة اغتيال الصحفي والأكاديمي محمد بديوي الشمري جانبا من شخصية المالكي الدموية حيث ذهب بنفسه إلى موقع الحادث وأشرف بنفسه في القبض على النقيب الجاني الذي قتل الضحية بدم بارد.

وقال وهو يزبد ويرعد أمام عدسات الكاميرات التلفزيونية بقسمات غاضبة منفرة: “دم الشهيد في عنقي، وأنا ولي الدم، وكل من له صلة بهذه الجريمة يجب أن يمثل أمام القضاء”.

ثم أضاف في ذلك اللقاء المنفعل: “لن أنام حتى يتم تسليم قاتل الصحفي محمد بديوي إلى العدالة”. لا أحد يعترض على تسليم المتهم أو الجاني إلى العدالة فهذا أمر طبيعي أن يُساق أي متهم إلى العدالة كي ينال كل ذي حق حقه، ولكن السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا لم يُسق إلى العدالة قتلة أكثر من «374» صحفيا عراقيا قتلوا بدم بارد أيضا منذ عام 2003 وإلى حد الآن؟ ولماذا لم نعرف أسماء الجناة؟

وما هو سبب التعتيم على قتلهم؟ لماذا يا سيادة رئيس الوزراء لم تذهب بسياراتك المدرعة ضد الرصاص وحمايتك الألف في أقل تقدير إلى الموقع الذي قُتل فيه نقيب الصحفيين العراقيين الشهيد شهاب التميمي الذي اغتيل عام 2008؟ لماذا لم تذهب إلى موقع الحادث الذي صُرعت فيه الإعلامية أطوار بهجت؟ ولماذا لم تذهب إلى منزل الشهيد هادي المهدي الذي قتل في منزله؟ ولماذا لم تذهب إلى المكان الذي استشهد فيه الإعلامي مؤيد سامي في مقر عمله؟ ألا ينبغي لرئيس مجلس الوزراء العراقي أن يكون أبا للجميع، أم أنك أب لفئة محددة من البشر؟

الدم بالدم عبارة عفّى عليها الزمن لأن اشتراطات الحياة الراهنة تقول: “الدم بالقانون أو بالعدالة أو بإحقاق الحق وإزهاق الباطل”، لأننا نعيش في بلد متحضر سَنّ القوانين منذ سبعة آلاف سنة فكيف تريد أن تُرجعنا خمسة عشر قرنا إلى الوراء.

أنا لا أستغرب صيحتك الجاهلية أبدا، فالإنسان الذي لم يحضر في حياته عملا مسرحيا، ولم يستمتع بمشاهد فيلم سينمائي، ولم يستمع إلى موسيقى باخ وبتهوفن وجايكوفسكي ودبوسي، ولم يتمعن في لوحة تشكيلية أو يطيل النظر إلى منحوتة فنية لا يمكنه إلاّ أن يصرخ بأعلى صوته «الدم بالدم» لأنه اللون الوحيد الذي تستأنس به روحك الدموية الطائفية المدربة على الإيغال بدماء العراقيين الذين سيجلبون قتلتهم حتى وإن نفذوا إلى أقطار السماء النائية.


كاتب عراقي

9