نزع سلاح "حماس" شرط دولي لإعادة بناء غزة

الخميس 2014/08/21
أسلحة «حماس» فخر في يد أتباعها ولعنة يدفع ثمنها المدنيون

القاهرة - الفشل الذي منيت به مفاوضات التهدئة الأخيرة التي احتضنتها القاهرة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، يعيده البعض إلى رفع سقف المطالب وخاصة مطالبة الإسرائيليين بنزع سلاح حماس كشرط لإعادة بناء غزة، غير أن البعض الآخر يعيده إلى تعنّت حماس ذاتها وتمسكها بصواريخها على حساب حياة المدنيين ودمائهم، وفق دراسة للباحث هاري ريس، صادرة عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

يشكل خوف إسرائيل من انسحاب قواتها بصورة كاملة من الضفة الغربية، أحد أكبر الحواجز المفاهيمية التي تعرقل جهود الولايات المتحدة لتحقيق سلام دائم بين إسرائيل والفلسطينيين. وينعكس هذا الخوف من قيام “المقاومة الفلسطينية” التي يسميها الجانب الإسرائيلي بـ”الجماعات الإرهابية” بملء الفراغ الناتج عن ذلك، الأمر الذي سيؤدي إلى انهيال الصواريخ بسرعة من التلال المطلة على المراكز السكانية المنخفضة في إسرائيل.

وقد أثبتت الحرب الأخيرة في غزة، حيث سقطت الصواريخ باستمرار على المدن الإسرائيلية، أن لهذا الخوف ما يبرره. لذلك، فإن إيجاد وسيلة لمنع “حماس″ من إعادة ملء ترسانتها من الصواريخ بعيدة المدى هو أمر بالغ الأهمية لأية جهود واسعة النطاق لصنع السلام.

وبينما يحوّل العالم اهتمامه لإعادة الإعمار في غزة، فإن لديه فرصة فريدة لمجرد القيام بذلك. ووفقاً لهذا المنطق، يجدر بالولايات المتحدة قيادة جهود دولية وإقليمية لإقامة نظام مراقبة جديد على حدود غزة مع مصر واعتراض شحنات الأسلحة في أعالي البحار.


إجماع دولي

من جهة أخرى، أوضح هاري ريس في دراسته الصادرة عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أنّ الرئيس أوباما كان قد طلب، في 6 أغسطس الجاري، معرفة ما إذا كان بإمكان الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني “إيجاد صيغة يُضمن بموجبها لإسرائيل تأكيد أكبر على أن غزة لن تشكل نقطة انطلاق لشن المزيد من الهجمات، وربما هجمات أكثر خطورة مع تطور التقنية،” حتى في الوقت الذي تُمنح فيه للفلسطينيين “بعض الاحتمالات لانفتاح غزة بحيث لا تشعر بأن جميع الأبواب مغلقة أمامها وأنها غير قادرة على السعي من أجل نموها الأساسي”.

ومن المثير للدهشة، هو قيام 28 من وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي بإطلاق تصريحات قوية حول الصراع في بيان مشترك صدر في 22 يوليو الماضي، قالوا فيه إن: “وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يدعون حركة حماس على الفور لوضع حد لهذه الأعمال والعمل على إنهاء العنف”، وأضافوا أنّه “يجب نزع أسلحة كافة الجماعات الإرهابية في قطاع غزة”، بحسب ما جاء في البيان.

28 وزيرا من الاتحاد الأوروبي طالبوا بنزع سلاح حماس

وأكّد الاتحاد الأوروبي موقفه هذا في الخامس عشر من أغسطس الجاري، حين دعا للتوصل إلى شروط لوقفإطلاق النار التي من شأنها أن “تُنهي التهديد الذي تمثله حماس وجماعات مسلحة أخرى في غزة على إسرائيل، كما تبيّن من خلال الهجمات الصاروخية الأخيرة وبناء الأنفاق.”

وأشار البيان أيضاً إلى “استعداد أوروبا للمساهمة في آلية دولية من شأنها أن تمنع، من بين أمور أخرى، الاتجار غير المشروع بالأسلحة والذخيرة إلى قطاع غزة”. وتتجاوز هذه التصريحات الهيكل الذي استخدمه الرئيس أوباما عندما وصف هذه المشكلة، حيث أن كلمات الاتحاد الأوروبي تجسّد الصيغة الأساسية التي ترتكز عليها إعادة بناء غزة، وهي نزع سلاح "حماس" والفصائل المقاومة الأخرى في القطاع.


الاتفاقات القائمة


تشكل “اتفاقية التنقل والوصول” من عام 2005، التي تفاوضت حولها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، نقطة انطلاق جيدة لوضع نظام لمنع تهريب التقنيات الخطرة من مصر إلى غزة. وكما تحدد تلك الاتفاقية، يتعين على السلطة الفلسطينية مراقبة حركة البضائع عبر “معبر رفح” تحت إشراف مفتشي الاتحاد الأوروبي. ويمكن تعزيز “اتفاقية التنقل والوصول” بإضافة دور لفصائل القوات المسلحة -التي تتمتع بدرجة عالية من الاحتراف – من الدول العربية والأوروبية.

وفي هذا الإطار يشير هاري ريس في دراسته هذه، إلى أنّ تمكين مثل هذه القوة المتعددة الجنسيات سيساعد على الاستفادة من التطابق الحالي في المصالح بين إسرائيل، والولايات المتحدة، والحكومات العربية “المعتدلة” في الوقت الذي يتم فيه استقطاب الأوروبيين أيضا.

وبهذه الطريقة، يمكن لـ “معبر رفح” أن يشكل ملحقا إضافيا لـ “معبر كيرم شالوم” "كرم أبو سالم" الإسرائيلي الذي يستلم كميات كبيرة من السلع يوميا.

موقف الاتحاد الأوروبي يجسد الصيغة الأساسية التي ترتكز عليها إعادة بناء غزة، وهي نزع سلاح «حماس» والفصائل المقاومة الأخرى في القطاع

أما بالنسبة لفتح المدخل البحري إلى غزة، فلا يمكن إحراز أي تقدم في هذا الميدان دون وجود آلية فعالة لمنع تهريب الأسلحة عن طريق البحر.

وتثير الأسلحة الإيرانية قلقا بشكل خاص، لأن إسرائيل اعترضت عدة سفن حاولت نقل مثل هذه الأسلحة إلى غزة. وتجدر الإشارة في هذا الخصوص إلى أنه سبق لمحسن رضائي، المستشار البارز للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، أن تفاخر بقوله “إن صواريخ المقاومة الفلسطينية هي من بركة نقل تقنية تصنيع الصواريخ من إيران الى الشعب الفلسطيني”.

ويذكر أنه في عام 2010، تبنى مجلس الأمن الدولي “القرار رقم 1929″، الذي ينص فصله السابع -والملزم في النهاية- على اعتراض شحنات الأسلحة من إيران من خلال إعادة تأكيد الأحكام ذات الصلة بـ “القرار رقم 1737″.

ونظرا لأن العديد من الصواريخ ومكونات الصواريخ في غزة منشؤها في إيران، يجدر بالولايات المتحدة، حسب دراسة الباحث هاري ريس، قيادة الطريق التي تؤدي إلى اعتراض “خطوط” إمدادات هذه التقنيات من خلال لجوئها إلى صلاحياتها بموجب “القرار رقم 1929″.

حيث أنّ الجهود متعددة الأطراف لمنع إيران من استخدام الطريق البحري لتزويد “حماس″ “بالأسلحة” ضرورية للوفاء بالنداءات الدولية لنزع السلاح في غزة.


«حماس» ترفض نزع السلاح


من جهتها، أعلنت حركة حماس أنها ترفض مناقشة فكرة نزع سلاح “المقاومة” في قطاع غزة، عقب مطالبة العديد من المسؤولين الإسرائيليين بذلك كشرط لإعادة إعمار غزة. حيث أكدت رفضها مجرد الاستماع لطرح “نزع السلاح”، الأمر الذي تطالب به إسرائيل كشرط لتهدئة دائمة في القطاع بعد هجوم جوي وبري عليه استمر نحو شهر وأسفر عن مقتل ألفي فلسطيني.

وفي هذا السياق، قال عزت الرشق، القيادي البارز في حركة حماس: “نحن لا نقبل أن نستمع إلى أي طرح فى هذا الخصوص، ومن يظن أنه انتصر في المعركة حتى يطلب هذا الطلب هو مخطىء، فالشعب الفلسطيني ومقاومته وصموده هم المنتصرون”، معتبرا أنّ كلّ ما أنجزته إسرائيل هو جرائم حرب ضد المدنيين، وأنّها لم ولن تحقق أهدافها من هذه المعركة”.

القتال الأخير بين إسرائيل و«حماس»، أظهر تمسك الأخيرة بصواريخها بصورة أكثر اعتزازا من اهتمامها بحياة مواطنيها

بدوره، قال إسماعيل هنية نائب رئيس المكتب السياسي لحماس إنّ “ما عجز عنه الاحتلال في ميدان الحرب والمواجهة لا يمكن أن يحصل عليه في ميدان السياسة”، في إشارة منه لمحاولة إسرائيل القضاء على “قدرات حماس العسكرية” في هجومها الأخير على القطاع. وأضاف قائلا “إنّ وفدنا الذي توجه للتفاوض في القاهرة خلفه شعب موحد ومقاومة باسلة وتضحيات جسام، وهو متمسك بمطالبنا ولن يساوم عليها”.

يذكر أنّ مفاوضات التهدئة الأخيرة بين الوفدين الفلسطيني والإسرائيلي، التي احتضنتها القاهرة، باءت بالفشل ولم تحقق الأهداف التي أُجريت لأجلها بعد أن “شهدت حالة من التصادم ورفع سقف المطالب بين الطرفين، وتجاوزت فكرة الحديث عن المعبر والميناء، وأصبح الأمر يتعلق بمطالب تعجيزية”، وفق تعبير طارق فهمي رئيس وحدة الدراسات الإسرائيلية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أنّ تعنت حماس في التوصل إلى حل في المفاوضات تدفع ثمنه الأجيال الحالية في فلسطين، خاصة في ظل حالة عدم التكافؤ في القوة بين عناصرها وبين الجيش الإسرائيلي، فالقصف قد عاد من جديد والمدنيون هم من يدفعون الثمن أولا وأخيرا.

وأضاف المراقبون أنّ إطلاق حماس لصواريخ على تل أبيب قبل انتهاء المفاوضات كان الهدف منه إحراج مصر بشكل غير مباشر خاصة بعد أن نفت حماس معرفتها بإطلاق تلك الصواريخ، مؤكدين في الوقت ذاته أنّ كلاّ من حماس (الإخوانية) وقطر وتركيا (الداعمين للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين) ليست لديهم رغبة في نجاح المفاوضات بالقاهرة حتى لا يحسب هذا الإنجاز لمصر في ظل تعنت المعلن ضدّ القاهرة منذ عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي إبان الثورة الشعبية التي قامت في 30 يونيو من العام الماضي.

خلاصة القول، وبحسب ما أشارت إليه دراسة هاري ريس الصادرة عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، فإنّ القتال الأخير بين إسرائيل و”حماس″، أظهر تمسك الأخيرة بصواريخها بصورة “أكثر اعتزازا من اهتمامها بحياة مواطنيها”، لذا فلن تتخلى الحركة عن أسلحتها عن طيب خاطر، غير أنّ المجتمع الدولي يبدو أنه عازم على تخفيف معاناة الفلسطينيين في غزة، حيث تشير البيانات مثل التصريحات الأخيرة الصادرة عن الاتحاد الأوروبي إلى أنّ دول الاتحاد مصممة أيضاً على منع “حماس″ من إعادة تسلحها.

6