"نزلاء العتمة" رواية الأنثى المخلصة تتوج الأولى عربيا في معرض الشارقة

يبحث الروائي الأردني زياد محافظة في روايته “نزلاء العتمة” عن شرفة يطلّ من خلالها على الواقع بحيث تتيح له، بكثير من المكر الأدبي، أن يدين هذا الواقع ويتّحد معه في آن معا، لكشف المسكوت عنه في علاقات مجتمعية، تجري في عالم مشابه للحياة التي نعيشها، فضاؤها السردي عالم جديد مربك في حضوره وثنائيّاته وشخصياته التي حمّلها زياد تفاصيل الحياة الأولى، رغم الموت الذي داهمها بأشكال شتّى. وقد فازت الرواية مؤخرا بجائزة أفضل رواية عربية في معرض الشارقة الدولي للكتاب.
الخميس 2015/11/05
زياد محافظة خط رسالة واضحة عن واقع معيش يوميا

تمثّل رواية “نزلاء العتمة” للروائي الأردني زياد أحمد محافظة نقلة نوعيّة في التخيّل الأدبي لما تحويه من استباقات تقوم على فرض الحياة الأخرى بتفاصيلها المختلفة التي تختزن في طيّاتها الحياة الأولى، تلك الحياة الثانية التي تضمّ في جنباتها الهموم الأولى للحياة التي يعيش بها الإنسان بين الولادة والموت، “نزلاء العتمة” الرواية التي فازت بجائزة أفضل رواية عربيّة في معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الحالية، تبدأ بدفع الشخصيات نحو فضاء مربك للقارئ، مربك بتفاصيله التي تتطابق مع الحياة الأولى فوق الأرض لكن الأجواء والمسارات في “نزلاء العتمة” تكون تحت الأرض، في حياة ما بعد الموت حيث لا موت أبدا.

حياة ثانية

صياغة معالم الحياة الثانية التي تبدأ بعد الموت مباشرة، هي حالة متفرّدة في الأدب ربما تناولها أدباء كثيرون، لكنّ الحالة السردية عند محافظة تأخذ شكلا آخر من حيث الولوج إلى النص مع رمي التراب على جثّة البطل الذي تغمره الأرض ليكتشف لحظة ذهاب الجميع أنّه يواجه عالما جديدا لا تعاقب فيه للوقت ولا حدود فيه للمكان.

فلسفة التعاقب عند محافظة في “نزلاء العتمة” أخضعها لما ورد علينا من العقائد عن حريّة الإنسان في اختيار مساحة وشكل البيت الذي سيسكنه إلى الأبد، لكنّه رغم هذه الخصوصية أخضع جملة العلاقات بين شخوص الرواية إلى منطق الحياة البشرية في السلطة والحرب والخلافات والتحالفات والحب، فحملت الشخوص من ماضيها كلّ ما تستطيع حمله، وأبقته ضمن سياقات متعدّدة تعطي الفضاء السردي جملة من الأحداث تغذيها مرتكزات النص.

مرتكزات النص تقوم على معتقل سياسيّ سابق يفقد حياته تحت التعذيب، فيترك زوجته حاملا بطفلهما البكر ويغادر إلى الحياة الأخرى، بعد أن حفظ نبرة صوت معذبه، الحياة الأخرى التي تدور في سراديب تصل بين القبور المكشوفة للعيان بهياكلها الحجرية الخارجية، والمتساوية من حيث المكانة في توزعها الجغرافي بين البشر الأحياء، إلّا أنّها تأخذ قنوات للاتّصال مغيّبة عن عيون الناس في متتالية سردية أرساها زياد محافظة، مسقطا عليها فلسفة القوي والضعيف من خلال شخصية “الفضيل” الذي يكون في مقام المسؤول عن الأموات.

تنقل “نزلاء العتمة” القارئ بين ثنائيات عدّة، مجملها يقوم في بنية مسطّحة ضمن خيارات الممكن واللاممكن، فمن خلال هذه المسارات طرح محافظة بيئته الجديدة القائمة في أصلها على الرؤية المتفرّدة للزمان والمكان بوصفهما يكوّنان مظلة للشخصيات، مظلة عابرة للأشياء والعلاقات معا من حيث التحالفات التي تبنى والتجاذبات التي تكون، والطقوس التي تبدأ بمجرّد وصول ميّت جديد إلى باب المقبرة المسوّرة، المقبرة في الرواية تظهر وتختفي في العقل الباطن للقارئ، فهي شبيهة جدا بأيّ قرية في الريف العربي من حيث الامتداد والجغرافيا الطبيعية، إلا أنّها تختلف في عملية التوليد والتعاقب.

رؤية إنسانية شفافة في جدل مضطرب حول العالم والأشياء
هذا التشابه جعل زياد محافظة يدفع بشخصياته إلى الحياة الأخرى وكأنّها تأتي في رحلة ليست أبدية، ستطوف هناك أياما ثمّ تعود إلى منتهاها الأزلي في الحياة الدنيا، هذا الإيحاء أرسته الفضاءات السردية من خلال وجود التاريخ الشخصي للأبطال؛ تاريخهم وأحلامهم وهمومهم الإنسانية وآلامهم واشتياقاتهم الطبيعية بحالتهم البشرية. إن هذه الثنائية ضمن دائرة السرد والتي اعتمد فيها محافظة المباغتة في الطرح بحيث يلغي عند القارئ حسّ توقّع الأشياء، تدفع بالمتلقي فورا للاستسلام إلى آلية السرد وفضاءاته المربكة.

الغرائبية والأسطورة والميثولوجيا كانت كلها حاضرة في ميزان واحد ضمن بنية “نزلاء العتمة” الروائية، التي يطرح من خلالها زياد محافظة رؤيته الإنسانية وجدليّة الأشياء عنده، الأشياء في مجموعها الإنساني والاقتصادي والسياسي والاجتماعي، تظهر لك جليّة في علاقة الفضيل مع الآخرين وعلاقة البطل مصطفى مع جماعة ياسين وعلاقة مصطفى مع الطفل حسّان الذي نكتشف في نهاية الرواية أنّه ابنه الذي لم يره في الحياة الدنيا.

الغرائبية في النص

يعتبر زياد محافظة أنّ الوهم الفاصل بين عالمين أحدهما شخصي والآخر روائي أمر غير موجود في الواقع، فالشخصية الحقيقية عنده والشخصية الروائية متطابقتان، إذ الشخصية الروائية التي نسجها ضمن عالم متخيّل في المطلق لا تعتمد في جوهرها على الخيال، بل ترتبط بشكل حقيقي في هويّتها الأساسية مع الواقع المليء بالموضوعات.

التصوير في الرواية قائم في مستويات عدّة يبدأ من نسج الجغرافيا التي لا تعتمد على الفصول الأربعة أو التعاقب اليومي، مرورا ببناء الشخصيات وفق منطق إنساني في شكلها العام وهمومها بينما تختلف في الطموحات والأهواء، وهذا يظهر جليّا لحظة التقاء السجين والسجّان وانكشاف الواقع أمام كليهما، في ” نزلاء العتمة” عالم مربك لا نجده في كثير من الأعمال الإبداعية، ذلك العالم الذي يقوم على اللامألوف واللاممكن واللامنطقي في الطرح لكنه يغدو ممكنا ومنطقيا ومألوفا في بنية السرد الروائي عند محافظة، بحيث يسير قطر دائرة السرد بكل أقطابه المنطقية واللامنطقية نحو الأنثى التي يطرحها زياد محافظة كمخلص أو حافظ للأسرار، وذلك النور الذي يهبط في نهاية الحكاية حاملا معه التفصيل الأهم الذي يقوم على بنوّة حسان لمصطفى.

“نزلاء العتمة” التي أراد لها زياد محافظة أن تكون رسالة واضحة عن واقع معيش يوميا مرّرها ضمن قوالب عدّة تقبل التأويل على مختلف اتجاهات الزمان والمكان والتاريخ والجغرافيا، فكانت ضمن بنيتها الغرائبية وفضاءاتها السردية عملا متكاملا دفع بها إلى أن تكون بشخوصها تحت عالم المقبرة في المرتبة الأولى كأفضل رواية عربية، بحسب إعلان لجنة التحكيم في معرض الشارقة الدولي للكتاب خلال دورته القائمة حاليا في الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، ولتظلّ الرواية ضمن طرحها تقتصّ من قارئها بأساليب شتّى كما ورد في صفحتها الأولى.

14