نزهة رائقة مع الأستاذ

الأحد 2016/04/03

لا شيء يعادل الراحة النفسية والسعادة والطمأنينة، فمهما قست الظروف وغابت الحلول وساءت الأحوال، فإن الرضاء والطمأنينة الذاتية يلهمان صاحبهما سر النجاح مستقبلا ويمنحانه السعادة.

في عالم كرة القدم تصحّ هذه القاعدة، بل هي ربما أحد أهم الأسس التي تساعد اللاعب والمدرب والمسير أيضا على تحقيق الوصول إلى تحقيق الأحلام والطموحات، فكم من لاعب موهوب عجز عن تأكيد موهبته وعبقريّته كلما غابت هذه القاعدة، فالمال لوحده لا يصنع بمفرده السعادة والنجاح، بل في بعض الأحيان كلما زادت الإغراءات وتضاعفت الامتيازات المادية كلما انعدم الأمان وغاب الإبداع.

قاعدة ربما يمكن ملاحظتها جليا لدى فريقين عريقين ينشطان في الدوري الإنكليزي الممتاز، وتحديدا مانشستر يونايتد الذي رحل عنه “الأب الحنون” أي المدرب السابق السير أليكس فيرغسون، فغاب الأمان وانعدمت السعادة والطمأنينة التي لم يقدر صنّاع القرار في هذا النادي على شرائها، رغم المبالغ الطائلة التي تم رصدها وصرفها على امتداد السنوات الأخيرة، لتفشل نخبة من النجوم الرائعة في ترك بصمة سحرية في هذا النادي، وأكبر دليل الأرجنتيني أنخل دي ماريا.

على النقيض من ذلك ألهمت القناعة وراحة البال “أبطال” نادي ليستر سيتي المغمور وجعلتهما في أعلى المراتب، حيث تفصلهم بضع خطوات للسير على البساط الأحمر وولوج عالم الأساطير الرائع، والفضل كل الفضل في ذلك هو توفير مناخ ملائم من السعادة والطمأنينة جعل الفريق يتحول من واقع إلى آخر في طرفة عين.

هذه القاعدة يبدو أنها لم تعد حكرا على ليستر سيتي، وفريق عريق آخر تفطن لها، وبادر إلى إعادة ترتيب البيت وبث الطمأنينة والسعادة فيه دون النظر إلى النتائج الآنية.

إنه نادي ليفربول الذي لم يتردد في التعاقد مع المدرب الألماني يورغن كلوب فور التفطن إلى حدوث شرخ في “البيت”، والهدف كان الحد من الأضرار والبحث عن القواعد الأساسية للنجاح والتفوق في المستقبل.

حلّ إذن ركب كلوب أستاذ الرياضيات السابق، وبدأ منذ أشهر في عمله على رأس ليفربول بقواعد ونظريات جديدة، لقد “هندس″ الأستاذ وبادر بتكريس أسلوب عيش وحياة وتدريب مغاير تماما لما كان عليه الفريق في السابق.

نظريات “الأستاذ” كلوب بسيطة ومستساغة إلى درجة أن المتلقي لا يجد أيّ صعوبة لاستيعابها، فهي تتمثل أساسا في عدم البحث عن الألقاب بسرعة، أي لا تلهث خلفها بلا هدى، هنالك ثلاث قواعد تحكم اللعبة، فالقاعدة الأولى هي توفير مناخ ملائم للعمل من أجل التقدم، والقاعدة الثانية هي تمتّع بما تفعل وافعل ما تحب دون تعقيد، أما القاعدة الثالثة فهي ضرورة التقيد تماما بتنفيذ القاعدتين السابقتين.

ومنذ أيامه الأولى حرص هذا المدرب على تكريس هذه القواعد والمبادئ، فكانت المحصّلة إيجابية إلى حد كبير خاصة في أجواء المجموعة التي بدأت فعلا في التمتع واكتساب السعادة الغائبة دون أدنى تفكير في المراهنة على الألقاب، لأنّ الجميع يدرك أنها آتية، ولو بعد حين.

ليفربول اليوم ليس ليفربول البارحة، فالكل راض على المستوى العام والنتائج، والكلّ سعيد بوجود الأستاذ الذي استعاد معه أنصار ليفربول نكهة متابعة مباريات فريقهم، بل لا أحد يطالب الفريق بالتتويجات، مادام الفريق يتمتّع ويمتع مهما كانت النتائج.

عبقرية “الأستاذ” وخاصة على مستوى التعامل مع اللاعبين تأكّدت خلال فترة الراحة الأخيرة لمنافسات الدوري، لقد اصطحب كلوب كافة اللاعبين في رحلة إلى جزيرة تينريفي الأسبانية، الغاية منها ليس التدرب بعيدا أن أجواء مدينة ليفربول، بل لقضاء نزهة رائعة ورائقة والتمتع بقضاء لحظات لا يكون فيها أيّ مكان لكرة القدم بخططها وتدريباتها الشاقة.

فكرة رائدة ومنفردة فاجأت الجميع ونالت إعجاب كافة المشاركين في هذه النزهة مع “الأستاذ”، فعاد اللاعبون إلى التدريبات بعد ذلك بمعنويات عالية وسعادة غامرة، وهمّهم الوحيد هو مواصلة التمتع بممارسة كرة القدم مع المدرب كلوب، ولسان حال هؤلاء اللاعبين يردد “لا شيء يعادل الراحة النفسية والسعادة مع الأستاذ”.

بلا شك فإن ما يقدم عليه كلوب من تصرفات تعكس شخصيته المرحة والمسالمة والمنفتحة على الجميع، والطامحة أيضا إلى الرقي والنجاح وحصد التتويجات، فخلال التجربة السابقة مع بوروسيا دورتموند حقق كلوب قفزة هائلة في مستوى الفريق الذي حقق عددا من البطولات وبلغ نهائي دوري أبطال أوروبا، ولم يغادره إلاّ بعد أن تركه في الطريق الصحيح، أما اليوم فإن هذا المنفرد في قواعده ونظرياته في عالم التدريب بصدد تحضير فريق مُهاب وقويّ سيكون له شأن كبير خلال المواسم المقبلة، ومادام الجميع في ليفربول سعداء وراضين ومطمئني البال، فإن التتويجات آتية عن قريب.

كاتب صحافي تونسي

23