"نزهة في ميدان المعركة" تختتم موسم الأردن المسرحي

ثلاثة مهرجانات احتضنت 16 عرضا مسرحيا وندوات نقدية.
الاثنين 2020/12/21
مسرح بقضايا اجتماعية ووجودية

يشهد المسرح الأردني المعاصر توجها كبيرا نحو تفكيك الواقع السياسي العربي، لكن اللافت في الكثير من الأعمال التي باتت تقدم أخيرا هو اتجاهها إلى القضايا الفردية والوجودية وخاصة من خلال محاولات تكييف نصوص عالمية، وهو ما يؤكده موسم الأردن المسرحي والأعمال التي عرضت خلاله.

اختتم موسم الأردن المسرحي، الذي نظمته مديرية المسرح والفنون في وزارة الثقافة الأردنية واستمر 16 يوما، فعالياته في المركز الثقافي الملكي في عمان بمسرحية “نزهة في ميدان المعركة”.

وقد ضم الموسم ثلاثة مهرجانات دفعة واحدة هي: مهرجان الأردن المسرحي في دورته الـ27، والنسخة الـ19 من مهرجان عمون لمسرح الشباب، ومهرجان مسرح الطفل الأردني في دورته الـ16. وأتيحت للجمهور مشاهدة العروض عبر منصات وزارة الثقافة، والهيئة الدولية للمسرح، والهيئة العربية للمسرح.

اشتملت عروض مهرجان الأردن المسرحي على العديد من الأعمال المسرحية التي لاقت نجاحا كبيرا نذكر من بينها “خط التماس” إخراج فراس المصري، “انعكاسات” إخراج محمد بني هاني، “الطابعان على الآلة” إخراج علي الجراح، “أيها الغبار خذني” إخراج عبدالصمد البصول و “نزهة في ميدان المعركة” إخراج عماد الشاعر. وضمت عروض مهرجان عمون لمسرح الشباب “العصافير في القفص” إخراج سميرة الأسير، “كاسيت شرقي” تأليف وإخراج دانا أبولبن، “بان” إخراج دعاء العدوان، “منظر طبيعي” إخراج دلال فياض. أما مهرجان مسرح الطفل فقد شاركت فيه عروض “لولو والذيب” إخراج عمران العنوز، “سلسبيل” إخراج فاديا أبوغوش، “ضوء القمر” إخراج وصفي الطويل، “الطيب والخبيث” إخراج حسين نافع، “حسن وحسنة” إخراج فراس الريموني و”القنديل الكبير “إخراج محمد العشا.

هواجس وجودية

من بين العروض التي لاقت متابعة واهتماما واسعين عرض “خط التماس” لفرقة المسرح الحرّ، من تكييف علي عليان عن مجموعة من النصوص الأدبية، وفيه إسقاط واضح في العرض على شخصيات الزعماء الدكتاتوريين في عالم السياسة، وإشارات إلى نتائج الحروب، وحالة التشظي التي يعيشها العالم العربي، والتيارات السياسية التي تتخذ من الدين ستارا لتخريب الأوطان، وانعدام نقاط الالتقاء وخطوط التماد بريت العريب الأوطان.

وتدور أحداث مسرحية “العصافير في القفص”، وهي من تأليف الكاتب الإنجليزي ديفيد كامبيون، وتمثيل إبراهيم نوابنة، عدي حجازي، مجد عيد، محمد نزار، وسميرة الأسير، في قفص يحتوي على ثلاثة طيور تمثل غرابا وديكا ونسرا، وكل واحد منها يحمل نزعة معينة.

يتألف عرض “منظر طبيعي”، للكاتب الإنجليزي الشهير هارولد بنتر، من فصل واحد وشخصيتين، ويقوم على حوار بين الزوجة بيث (قام به عهود الزيود) والزوج داف (أدّاه بكر الزعبي) في مطبخ المنزل.

الزوجة في أواخر الأربعينات من عمرها، والزوج في أواخر الخمسينات، يعانيان الفراغ، فيستفيض كل منهما في الكلام عن الماضي والذكريات دون أن ينتظر جوابا من الآخر، يسردان ويسألان بعضهما البعض عن أحداث ووقائع شهدها الاثنان. المرأة تتحدث عن قصص عاشتها في الماضي، وعلاقة لها بحبيب سابق، وأحداث مرّت بها، وكيف أنها كانت جميلة، في حين يتحدث الرجل عن أشياء تقع له في الراهن، عن زوجته، ومشاكله مع الآخرين، وعن الفراغ العريض الذي يعيشه، وعن الحياة وما تحمله للناس.

يستمر كل واحد منهما في الحكي من أول العرض حتى آخره، يستفيضان في الكلام من دون أن ينتظر أي منهما جوابا. كلام يلوي عنق المتلقي، ويصيبه بالدهشة والغرابة، وثمة ما يشده، لكن ما هو هذا الشيء؟

المسرحيات تعالج واقع المجتمعات العربية المليء بالقتل والحروب ما جعل من الناس جثثا عالقة في دوامة الحياة

 وهكذا ترسو به الحال إلى أن ترعبه جملة بذاتها، تكشف كل ما كان قد خفي عنه، هذه الجملة أشبه بلوحة عميقة الدلالة تختلط فيها كل الألوان بعناية فائقة، عن حيوات ومنعطفات مهمة في حياة واحدة، وقد حاول الكاتب تمريرها فاشتغل عليها بكل تكثيف وتصوير وعبث.

اما عرض “كاسيت شرقي”، تمثيل رندا ساري، عمر ضمور، كرم الزواهرة، أميرة شعبان ويارا ملحم، فيدور حول ولادة الإنسان على مشنقة الحياة، وكأنه جثة حية هامدة لا ترى سواد النور في التأبين الذي نعيشه، من خلال قصة جنين يرى شريط حياته قبل الولادة، حيث واقع المجتمعات العربية المليء بحوادث بالقتل والحروب التي جردتنا من إنسانيتنا، وجعلت منا جثثا حية عالقة في دوامة الحياة. وهو واقع يتكرر عبر شريط مسجل، لا تخلو أجواؤه من أجواء مسرح العبث.

يبدأ العرض بجنين داخل رحم أمه يتأرجح، وحين تجيء لحظة خروجه إلى الحياة، نسمع صوتا يأتي من الأفق يوقف الزمان ويجمّد المكان، وتدخل شخصيتان غريبتان غير واضحتي المعالم تتصفان بالغباء، تشكلان الجنين في وضعية معينة وتضعان له شريط حياته، فيشاهده قبل الخروج الكامل من رحم والدته، حيث يظهر وهو شاب يركض في مكانه، عابرا سنواته ليصل إلى عمر الثلاثين، فنراه يبدل ملابسه الرثة بملابس أنيقة وقد بان عليه اليأس والإحباط.

وتستكمل مشاهد العرض بتوهان الشاب في خضم واقع الشرق الأوسط المرير: حروب، قتل، اغتصاب، مرض، فقر وجشع، حتى ينتهي عالقا في منتصف أبواب الزمن، محاولا إيقاف ما يراه، لكنه لا يستطيع فيقرر ألا يخرج إلى هذه الحياة، ويموت قبل أن يعيش .

البحث عن الحقيقة

نص هذا العرض، الذي أداه جمال الرشيد، محمود الزغول، عدي الفواز، فرج نصار وعمر أبوغزالة، كيّفه إياد الريموني عن قصة قصيرة بعنوان “في غابة” أو “في علم الغيب” للكاتب الياباني ريونوسكي أكوتاغاوا، وهي القصة التي سبق أن حوّلها المخرج الياباني أكيرا كوروساوا، بدمجها مع قصة “راشومون” إلى فيلم روائي بعنوان “راشومون” أيضا في مفتتح خمسينات القرن الماضي.

وأخرج نص “راشومون” في العديد من المسارح العربية خلال العقود الماضي، وأتيحت لي فرصة مشاهدة آخر تجربة إخراجية له على يد المخرج التونسي لطفي العكرمي عام 2019.

تنبني حبكة المسرحية على تعدد الروايات حول مقتل رجل الساموراي، والبحث بينها عن الحقيقة في وجوهها الكثيرة، وهي حقيقة الإنسان وضعفه أمام الشهوة وأمام الخوف. لكن الحبكة في جوهرها تفتقر إلى وجود حكاية واحدة، ولا حقيقة تخبر المشاهد بها. ففي إحدى الغابات اليابانية ثمة قاطع طريق يغتصب زوجة ساموراي، ويتم العثور على جثة الزوج بعد ذلك، وفي المحاكمة تقوم أطراف الحكاية (قاطع الطريق، الزوجة، روح الساموراي، والحطّاب الذي يُفترض أنه رأى كل شيء) بسرد نسخ شخصية متباينة مما حدث، فإذا بالمتلقي أمام شهادات مختلفة كل الاختلاف، قاطع الطريق يؤكّد أنّه القاتل، والزوجة تؤكّد أنها هي القاتلة، والحطّاب يشهد بأن الرجل قتل نفسَه بسيفه.

أراد المخرج إسقاط أحداث المسرحية على ضياع الحقيقة في عالمنا اليوم، حيث أصبحت وسائل الإعلام المرئية والسمعية ومواقع التواصل الاجتماعي تنقل الأخبار من وجهات نظر مختلفة، ما جعلنا نشهد تضاربا في رواياتها، حسب توجهاتها وأجنداتها. ومن ثم يهدف المخرج إلى إيقاظ ملكة التفكير لدى المتلقي للبحث عن الحقيقة الأقرب إلى الصدق في كل ما يُنقل إليه.

ويتناول عرض “نزهة في ميدان المعركة”، تأليف الكاتب الإسباني فرناندو أوربال، وتمثيل أسماء قاسم، الحاكم مسعود، ثامر خوالدة، المثنى قواسمة، حسام حازم وحسام كناني، عن حرب أهلية تطحن رحاها كلا الجانبين من أبناء البلد الواحد، وكيف يفكر كل مواطن في طريقة لإنهاء هذه المأساة، لكن رأي من هم أصحاب القرار مختلف تماماً عمّا يفكر فيه باقي أفراد الشعب، لذا تبقى المأساة مستمرة، والموت يحصد الجميع.

ينتمي العرض إلى مسرح اللامعقول، ويقوم على الصدمة التي تسبّبها الأحداث الدرامية بهدف أخلاقي وإنساني، وذلك من خلال قصة مجند شاب يجد نفسه في جبهة القتال فجأة، وهو الذي لا يعرف شيئا عن الأسلحة المستخدمة فيها، ما يكشف تناقضات شخصية تبرز وجوها ورؤى للحرب بكل عبثيتها، لتنتهي النزهة بذروة درامية في مشهد يجسد القتل الجماعي الذي يروح ضحيته الأبرياء.

15