نزوح

السبت 2014/11/15

المسافة بين حربين قد تذوب وتتلاشى فجأة، حين يقفز مشهد النازحين المنكفئين على أنفسهم وهم يحاولون لملمة جراحهم دون جدوى كي لا تطالها كاميرات التلفزيون. وحين يتمدد المشهد إلى أبعد من حدود الزمان والمكان، تخترق ذرات رمل مستفزة نظراتنا المحايدة وهي تتابع من الطرف الآخر من الشاشة المعاناة غير المبررة لكائنات تشبهنا كثيرا، فتهتز أرواحنا الرقيقة وضمائرنا المزيفة بعض الوقت، ثم سرعان ما نمضي لشأننا حالما يتم إقفال جهاز التلفزيون وتسدل الستارة على الخبر الأخير.

ازدحمت شاشات التلفزيون بالنازحين، الذين افترشوا الأماكن المهجورة والقفار البعيدة عن المناطق السكنية، وتلونت وجوههم بألوان من القهر وأحنت ظهورهم الهموم والنكسات والانكسارات في محطات الأمل دون جدوى، حتى حاصرهم الجوع والعطش والغضب من أصحاب الملامح اللامبالية الذين مازالوا قانعين (بالفرجة) على المشهد عن بعد.

قبل ثلاثين عاما أو أكثر بقليل، كانت صديقتي “جنان” هي الجندي الذي بقي مجهولا في ذاكرتي حين امتزج طيفها بكلمة “نزوح” المقيتة. “جنان” كانت تعثرت في دراستها وهي في طريقها للهروب من قضاء الفاو –الميناء الجنوبي الشهير- التابع لمدينة البصرة، وبعد أن التهمت نيران الحرب العراقية- الإيرانية منزلها الجميل في الفاو مع عدد من أفراد أسرتها، نجحت هي ومن تبقى منهم في الوصول إلى مدينة البصرة الأم.

كان الحظ رفيقها وأفراد أسرتها في أول الأمر، فبعد أن تخلت عنهم الجهات المعنية نجحوا بجهود ذاتية في الحصول على بعض الصفوف الدراسية في الطابق الثاني من مدرستنا الابتدائية كسكن مؤقت لهم؛ حيث افترشوا ومعهم آخرون بعض قطع الأثات المدرسي الزائدة عن الحاجة والتحفوا بأوراق الصحف والمجلات لتغطية النوافذ العارية، كما أسهم بعض المحسنين في تزويد الأسرة وجيرانها الجدد بما فاض عن حاجتهم من مفارش ووسائد وبطانيات لتقيهم شر برد الشتاء.

التحقت “جنان” بمدرستي الابتدائية، فكانت تلميذة مجتهدة في الطابق الأرضي صباحا ونازحة مجهولة في الطابق الثاني مساء، لكنها حافظت على كبريائها، وهي تراقب مرحنا ولعبنا في باحة المدرسة، رغم الدموع التي كانت تتجمع كالغيوم في سماء مقلتيها فترفض أن تنهمر مطرا.

طرأ تحسن طفيف على محتوى غرفة الأسرة التعيسة، بعد أن أصبح والدها عامل تنظيف في المدرسة فوصل السرير والكرسي وموقد الطعام المتواضع، كما ارتدت “جنان” للمرة الأولى حذاء جديدا وابتسامة مقتضبة. استمر السكن المؤقت للأسرة المهجرة سنوات طويلة، حتى بعد أن تغير مسار الحرب وطالت النيران هذه المرة مدينة البصرة، فظهر نازحون جدد كانوا يتقافزون في لعبة تبادل الأمكنة تبعا لكثافة القصف العشوائي، الذي صار يوزع مجانا على المناطق والأحياء السكنية.

نزح سكان بعض المناطق “الملتهبة” إلى شوارع أخرى أكثر أمنا وهرب البعض الآخر إلى مدن أخرى، وفي خضم هذا الخليط العجيب من الفوضى ضاعت مني أخبار “جنان”. ذابت ملامح المدرسة الابتدائية من ذاكرتي بعد أن استبدلتها – رغما عني- بذاكرة جديدة في مدن جديدة لم تحبني ولم أحبها، لكن نظرات “جنان” أبت أن تفارقني وها أنا اليوم أراها غائمة وعلى وشك أن تنهمر من شاشة التلفزيون.

ترى هل نجت من الحروب الأخيرة، أم ماتت في قصف عشوائي؟ هل نجحت في النزوح مجددا، أم حصلت على منزل جديد وأطفال، كما كانت تحلم دائما؟

21